المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رامي إبراهيم البنا Headshot

الثانوية العامة في بلادنا

تم النشر: تم التحديث:

مرحلة الثانوية العامة هي عنق الزجاجة التي يتهيأ لها الإنسان منذ مولده، فهي التي تحدد مصيره وترسم له مستقبله، ويعلق هو وأهله الآمال عليها، نحن نعيش هكذا في مصر.

عندنا في مصر يبدأ التعليم الأساسي بالمرحلة الابتدائية، ثم المرحلة الإعدادية، ثم المرحلة الثانوية، والرابط والضابط في كل هذا هو المجموع الذي تحرزه في الامتحان النهائي للانتقال إلى المرحلة التي تليها، وكذلك في كثيرٍ من البلاد العربية.

والامتحان في نفسه ليس مشكلة؛ رغم أن فلسفة الامتحان هي حصر الممتحَن في وقتٍ معينٍ لاستيفاء أسئلة معينة تخضع لكيف الممتحِن، فإذا أرادها أن تكون سهلة فبإذنه، وإذا أرادها أن تكون صعبة فبإذنه كذلك، ولا ريب أن هذا يحدث فيه ما يحدث من استكبار الممتحِنين والأساتذة والإتيان بأسئلة ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك كله لكي يزيد من رهبة الامتحان، والعجيب في هذا أن كثيراً من الأساتذة يظنون أن الإتيان بأسئلة صعبة لا تحل هو نوع من الجودة والحسن!

الامتحان في نفسه ليس مشكلة، نعم، لكنك إذا دخلت امتحاناً يتحدد عليه مصيرك في الدنيا كلها، هذه هي المشكلة!

ونحن نعرف جيداً أن أكبر الامتحانات وأشدها هو امتحان الثانوية العامة، فهو يعطيك كل شيء حتى اسمك، فمن الممكن أن تكون المحامي فلان، أو الدكتور فلان، أو المهندس فلان.

أضف إلى ما سبق أن نظرتنا الاجتماعية انبنت على هذا الامتحان، فلأن كليات القمة كما يسمّونها هي كليات القمَّة، أصبح الجميع ينظر إليها وعيناه تلمعان من الدهشة، وهو يحلم بها سواء كان مستيقظاً أو نائماً ويعدّ العدة لكي يخوض الحرب، فمجتمعنا تجاه الثانوية العامة ينقسم إلى اثنين لا ثالث لهما، قسم حلمه أن يدخل كلية الهندسة، وقسم حلمه أن يدخل كلية الطب، ولأن هذا مخالف لطبيعة البشر وإمكانات كلِّ فردٍ على حدة، ومواهبه وميوله، والقدرات التي حباها له الباري، لأجل كل هذا كان من الطبيعي ألا يحدث هذا ويكون الناس كلهم فريق أطباء وفريق مهندسين، مرة أخرى يكون التقسيم بناء على ما أحرزه الإنسان من درجات، فالشاب الذي أجهد نفسه في المذاكرة وأرهق جداً وتعب وسهر الليالي، قد نقص منه درجة أو نصف درجة، فبدلاً من أن يدخل كلية الطب دخل كلية العلوم أو كلية الصيدلة، أو هو بدأ كأي شاب مصري طبيعي في الثانوية العامة بدأ بالقسم العلمي، ثم لمَّا وجد أن درجاته لا تكفي حوَّل إلى أدبي، كي يواري ما حدث له من المجتمع، فإذا دخل كلية ما مثلاً؛ لأن درجاته منخفضة نسبيّاً نُظر إليه باستقلال شديد.

نحن إذا ما أردنا أن نحطم عقول شبابنا لن نفعل خيراً من هذا، لا توجد وصفة نموذجية لقتل الفكر في الشباب وقتل حيويته وقتل روح الإبداع، لا توجد وصفة أفضل من هذا على الإطلاق!!

يكون أحدنا تحت إرهاب المجتمع المستمر؛ فالإرهاب والخوف يبدأ من البيت الداخلي فيضع الأبوان ولدهما في هذا الضغط، ويحفزانه التحفيز الذي ليس بعده إلا الموت، ويكون الإرهاب من الأقارب والجيران، حتى الذي لا يعرفك في الشارع ينظر إليك ويرقبك ماذا ستفعل؟!

ويا خيبتاه لو لم تحقق الأمل المنشود، والخوف من لوم اللائمين وشماتة الشامتين، وفي مجتمعاتنا تجد الجارة الخالة الفلانية تسأل الأم: ماذا فعلت ابنتك؟! تقول لها: ابنتي نجحت وجابت 94%، الجواب الذي سيكون جاهزاً: إن ابن فلان قد أتى بـ97%، هكذا نحن في مصارعة مع أنفسنا، ننهك أنفسنا وننهك زهرة مجتمعاتنا ونحطمهم بهذه الطريقة.

السؤال البديهي أين الشاب من كل هذا أين هو؟! أنا أعرف قصصاً ومن المؤكد أنك تعرف مثيلات لها كثيرة؛ منها أن مثلاً الشاب يحب مجالاً معيناً ويريد أن يدخله، ونظراً لاستقلال نظرة المجتمع له وبضغط من أبويه يدخل مجبراً وليس مختاراً مجالا آخر، ويصبح طيلة حياته متخرِّجاً من شيء هو نفسه كارهٌ له ولا يريده، والقصص في هذا كثيرة ومتكررة ومشاهدة.

وتنشأ على هذا خلافات أسرية وشقاقات ونزاعات.

في أوروبا والدول المتقدمة يبنى كل شيء على الحب، وهذا طبيعي لأن الإنسان منَّا إذا أحبَّ شيئاً فسيكون هذا الشيء طوع يده ويكون هو طوع هذا الشيء، فيصيران واحداً، هذا ليس وصفاً لشابٍّ يحب فتاة، وإنما هو وصف لشاب يحب ما يتعلمه وما يعمله، بغض النظر عن نوع هذا العلم أو العمل، فالكل متساوٍ؛ لأنه يصب في مصلحة المجتمع، فأنا أخدمك كما أنت تخدمني، وإذا نظر بعضنا إلى بعض باحترام وتقدير فسوف يكون المجتمع متماسكاً ناهضاً، وإذا كان العكس فالحال ظاهرٌ وبيّن؛ ستحمل كل طبقة ضغينة للطبقة للأخرى.

وهذا ما فعله نظام الثانوية العامة، ساعد بشكل أساسي في ازدياد الطبقية في المجتمع، فأصحاب كليات القمة منهم من ظن أن نجاحه الباهر للثانوية العامة أعطاه شهادة وختماً بأن لديه ذكاء وموهبة لم تعطَ للجميع، فزادت ثقته بنفسه وأصاب الغرور بنفسه وبعقله، وأصابه الازدراء لبقية الطبقات، وخول له هذا النجاح في أن يصبح مؤهلاً لفهم كل الشيء وأن يتكلم في كل شيء، وأن يكون عالماً بكل شيء.

أما البقية فعلى أنواع؛ فمن متحسِّر أنه لم يلحق بركابهم، وتظل هذه الحسرة في عنقه سنين طوالاً، ويظل معه كذلك لوم الأبوين أو الأقرباء حتى يقل تدريجياً بمرور الزمن، وفريق آخر بسبب عدم حصوله على المطلوب مجتمعيّاً فقد أبواه فيه الأمل، ومنهم من اهتزّت هو ثقته بنفسه وفقد في نفسه الأمل، وسار إلى الفشل مختاراً بعدما أجبر على ذلك أولاً.

والحديث في هذا ذو شجون طويلة، تروى وتُقصّ، لكن في الختام لهؤلاء الشباب: اختَر ما تحب وما تشعر أنك ستكون بارعاً فيه؛ لأنك إذا ما اخترت ما تحب وما شعرت أنك ستفلح فيه ستفلح فيه وتتميز على من انساق وراء نظرة المجتمع، ولا تجعل أحداً يجبرك على شيء أنت تعرف أنك لن تنجح فيه، ولن تقدم فيه شيئاً، فالله خلق الناس درجات وطبقات وأنواعاً وأجناساً، ومن يفكِّر أن الناس كلهم عقلٌ واحد وطبقة واحدة فالمشكلة لديه في قلة فهم الطبيعة البشرية، والسلام.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.