المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رامي غدير Headshot

محاولة لكتابة نص مفتوح بمشاهد ناقصة

تم النشر: تم التحديث:

إلى صديقتي علا صالح، التي كلما سقطت من علو شاهق لا تتأذى؛ لأنها تملك خفة أصابع عازف بيانو، ولأنها كأسراب الإوز تتقن فن الهبوط الآمن أثناء العاصفة.

حين يتحدث علماء الآثار عن تاريخ مصر.. الأصدقاء أهم من الأهرامات، وحين يتحدثون في نشرة الأحوال الجوية عن منخفض جوي فوق المتوسط هم أول حبات المطر التي تنقر شبابيك غرفتي.

يقاطعني ممول القروض الصغيرة سائلاً: ما هو مصروفك بالشهر؟ وكم راتبك؟ ألديك مصدر دخل آخر؟ ما قيمة فاتورة موبايلك في الشهر؟

أوقف التفكير بما يدور في رأسي عن الأصدقاء وأجيبه: (... ) وأن فاتورة موبايلي (....) يندهش! ويكمل تعبئة الاستمارة متمتماً، بصوت مفهوم لو أن ابنه بلغت قيمة فاتورة موبايله مبلغاً كهذا لوضع لاصقاً على فمه لمدة عام!

كيف يمكنني أن أفهمه أن المسافة بين المدينة وغرفتي في القرية هي بطول اتصال هاتفي معكِ، وأن هذا الاتصال هو وحدة القياس الأهم على هذا الكوكب.

أصل غرفتي ولا أنتبه إلى أنه قد مضى نصف ساعة ونحن نثرثر على الموبايل ونضحك، الضحك يعني أنك لست وحيداً في غرفة رطبة، الضحك شجرة لا تعترفُ بالمثل القائل: "ما في شجرة وصلت لربها"، الضحك فرح امرأة عاقر حبلت حين شاهدت مسلسلاً كارتونياً بعنوان "عدنان ولينا" لـ"ميازاكي" ولد "ميازاكي" في الخامس من يناير/كانون الثاني عام 1941 في العاصمة طوكيو، وحصل على شهادة في العلوم السياسية والاقتصاد، ثم انضم إلى (Toei Animation) للرسوم المتحركة وتزوج زميلته الرسامة (اكيمي أوتو) وفي طفولته كان يحب رسم الطائرات ثم تحول هذا الحب إلى شغف بكل ما يتعلق بالطيران.. ميازاكي أضحكني وأنا صغير وحين كبرت فردتُ جناحيَّ.

لقد ضحكتُ وضحكتُ إلى أن كبرت في السن يا صديقتي، ولم أعد أملك سوى ألم خفيف في ركبتي وندبة تحت ذقني وجسد نحيل كطفل إفريقي لم يتعرض للمجاعة، لكن جسده نحيل!! فيما مضى كنتُ واثقاً أن رساماً ما، كجوني سمعان مثلاً، سيوقف اتساع ثقب الأوزون حين يرسمه على شكل نافذة مفتوحة تُسمع من خلالها ضحكات جميلة... مع الوقت زاد اتساع ثقب الأوزون وجوني سمعان لم يفعل شيئاً، سوى أنه أصبح صديقي أكثر.

كبرتُ ولا شيء أندم عليه سوى الوقت الذي قضيته على شبكة الإنترنت وأنني لم أتعلم رياضة (الجمباز) وأترك شَعري يطول وأنا يافع، نادمٌ لأني بقيت أكثر من خمس سنوات في غرفتي التي لها باب شمالي ونافذة شرقية في حين كنت أحب الباب الغربي والنافذة الجنوبية... رغم ذلك أشعر بالفرح لأني لم أقرأ الأدب الروسي كما يجب، ولم أقتنع بما قاله الماغوط (الفرح ليس مهنتي)، ولأنني حين أصبح عجوزاً وفي ليلة باردة أو غير باردة وأنا أجلس وحدي لن أشعر بالوحدة والكآبة أبداً، فذكرياتي الجميلة جعلت نافذتي أكثر اتساعاً وأصبح بمقدوري أن ألقي الليالي الكئيبة..

البارحة ألقيت ليلتين في نصف ساعة، رغم ذلك حين أغفو أرى في منامي أناساً أقول لهم: أنا معكم فيطلقون النار على قدمي اليسرى!! أقول: أنا معهم فيطلقون على اليمنى!! أقول: أنا لستُ مع أحد فيطلقون معاً على جهة قلبي!! الأغبياء لا يعلمون أن قلبي تحميه آلاف الضحكات المشتركة مع الأصدقاء.

لقد كبرتُ يا صديقتي وأنتِ ما زلتِ في عمر يسمح لك أن لا تساومي الغيوم على نصف شتاء والحقول على عدد قليل من شقائق النعمان.. عمرٌ يدهشك فيه "تشيخوف وجميل حتمل وزكريا تامر" وغيرهم.. رغم ذلك تكتبين قصة قصيرة عنوانها: القصة القصيرة لا تمثلني، تقرأينها في مهرجان للقصة القصيرة ثم تعلنين أمام الجميع أن القصة القصيرة كجنس أدبي لا يعجبك، وأن القصة القصيرة تشبه لاعب احتياط في مباراة ودية يدخلهُ المدرب في الدقائق الأخيرة كنوع من هدر للوقت، وتستفيضين بالحديث عن النص المفتوح وأهميته وتُصرّين وبشدة على جمالية المشهد الناقص في النص المفتوح الذي "يبحث عن اكتماله اللامحدود"، عندها سيصفق لك الجميع؛ لأن البعض منهم يوافقك الرأي، والبعض الآخر سيبتسم قائلاً: ما زالت في عمر يسمح لها أن تقول ما تشاء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.