المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمضان عمر Headshot

النظام السياسي في الإسلام حاجة ضرورية أم ضرورة شرعية؟

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكنُ لهذا الدين أن تكتمل له شِرعتُه دون نظام يحكُمُه، ولا يمكن لأمَّة تدين بهذا الدِّين أن تُترَك بلا نظام يحكُم أمرها، ويحدِّد لها ما يجب وما لا يجب، وكيف لدين نزَل من السماء ليكونَ للناس كافة أن يُعمَّرَ هذه القرونَ بعفويَّة وفوضويَّة؟!

ثم إنَّ استتباب أيِّ مجتمع بشري -مؤمنًا أو كافرًا- لن يكون إلا من خلال قوانينَ سياسية يسلِّم بها الناسُ، وينقادون إليها، ولا بد فيه من العدلِ بينهم والمساوة؛ فهما سبيلاَ التقدُّم والأمن والاستقرار.

والسياسة بحسب واضعِها إن فُرِضت من حكماءِ القوم، سمِّيت سياسةً عقلية بشرية، وإن فرَضها اللهُ -تعالى- فهي السياسة الدِّينيةُ النافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولكن، لماذا التشريع السياسي الإسلامي؟ وما ضرورات وجوده ما دام الأمر يتعلق بإدارة شؤون البشر، وهم أعلم بدنياهم على حدِّ تعبير المصطفى -صلى الله عليه وسلم؟ وهل النُّظم السياسية التي تحقِّقُ جانبًا من العدل والمساواة مرفوضة رفضًا قاطعًا في الإسلام؟ ولِمَ يرفُضُ الإسلام أمرًا فيه مصلحة للبشر؟ وهل يجوزُ الدمج بين اجتهادات البشر ونصوص الشرع؟ أم أن النصَّ الشرعي لا يحتمل اتكاءً على غيرِه؟

مقدمات نفرشها على بساطِ البحث؛ لتجيب عليها أدلَّةُ العقل والنقل، فهل النظامُ السياسي في الإسلام سنَّة مبتدعة أم نظرية تتَّكئ على نصوص؟!

وأسئلة فيصلية تؤسس لعتبةٍ بحثية تناقش قضية جدلية أثارها أعداءُ هذا الدِّين وهم يَنظُرون إليه باعتباره قاصرًا عن تقديم منظومة قِيَم سياسية تُدير شؤون الناس، وتحاول قَصْرَه على مثاليَّاتٍ لا تنتمي لعالَم التمثيل الميداني في واقعِ الحكم والإدارة.

إن اعتماد الإسلام على نظام شامل فيه من السياسة ما يكفي لإدارة شؤونِ الناس - شيءٌ مِن الضرورات الموجبة لاكتمالِ تحقُّقِه؛ ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

أدلة النقل والعقل تُبطِل ما يزعم الرافضون لحكم الإسلام في احتياجات البشر، وتؤكِّد حتميةَ ارتباط الإسلام بالمفهوم السياسي الشامل، وتجعَلُ النظام السياسي جزءًا مِن مكونات الشرع المجمع عليها، وتؤكِّد على أن الاحتكامَ لشرع الله أمرٌ يستوي مع طبيعة الكون وطبيعة الإنسان، فحتى يكون النظامُ عادلاً شاملاً لا بد أن يصدُرَ عن جهة محايدة ليس لها مصلحة، تنظُر للناس نظرة واحدة دون تفريق، هذه الجهة لن تكون من البشر، بل من خالقهم العالِمِ بما يصلُحُ لهم وما يضرُّهم، والذي لا يتحيز ولا يُحابي ولا يظلم، ثم إن تَرْكَ التشريع بأيدي البشر - وهم لا يستطيعون التخليَ عن مصالحهم - يجعَلُ الحيفَ والتنقُّص والظُّلم ملازمًا للتشريع الإنساني الوضعي، وتاريخُ التشريع قديمًا وحديثًا يشهدُ بذلك.

لذا؛ فإن مصلحةَ البشر تقتضي ألا يسلَّمَ التشريعُ للإنسان، بل يبقى بيدِ الله الرحيم العَدْل؛ فهو خالقُ الكون، العالِمُ بما يُصلِحُه ويُفسِده[1].

إن العقلية القاصرة هي وحدها التي تقبَلُ تجريد الإسلام من نظرية سياسية متكاملة تنطلق من مبادئه وتصوُّراته، والذين يُنكِرون على الإسلام هذا التفرُّدَ، وينزعون عنه هذه الصفةَ، إنما يفعَلون ذلك عن قصورٍ في الفهم، واتكاءً على مصادرَ لا تعترف بالآخر، ولا تُقِرُّ له بحق، إنهم المستغربون الأدعياء، أناس من بني جلدتنا، لهم ما لنا من لون البشرة والهيئة واللسان، إلا أن قلوبهم غربيَّة الهوى، وعقولهم لا تنتمي لمدرسة الوعي الإسلامي، بَهَرهم ما عند الغرب؛ فعَمُوا وصَمُّوا عن معرفة الحق، متبعين كلَّ غثٍّ وسمينٍ، فهم لم يقرؤوا إلا ما أقرأهم أسيادُهم من أئمة الفكر الغربي؛ فإذا بهم يزعمون أن النظريات السياسية لم تُعرَف إلا عند الإغريق والرومان، ثم عند الأوروبيين في عصور النهضة وما بعدها، قافزين - عن جهل أو قصد - عن تاريخِ أمَّةٍ حكَمت خمسة عشر قرنًا، وما زالت تحكُم، وقد قدمت عبر تاريخها الطويل عمالقةً في الفكر، ونماذجَ في الحكم والسياسة، وكان حريًّا بالباحث الجادِّ أن يتقصى في بحثه الآراءَ المتعددة، وأن يُنصِفَ، ولا يجتزئ أو يتقوَّل بغير علم أو شاهدٍ أو حجة بينة، ولكنه دَيْدَنُ المنبهرين، لا يرَوْن إلا كما يُرادُ للعبيد أن يرَوْا.

ولا شك أن هذا التجاوز والتجاهل وعدم الاعتراف بحظِّ الفكر الإسلامي من هذه النظريات، والاكتفاء بالأمتين الإغريقية والرومانية - قديمًا - والفكر الأوروبي الحديث - ينقُض أصولَ البحث العلميِّ الجاد، ويفتقر للمصداقية، ويخالف الحقيقة، ويأتي بالمجزوء المشوه، مع أن الحقيقة التي لا تزال غيرَ معروفة عن الكثيرين تشير إلى أن الدولة الحديثة، وهي "أحد العوامل الأساسية التي كانت سببًا في انتقال أوروبا من العصور الوسطى، أو الفوضى الاجتماعية التي سُمِّيت بالنظام الإقطاعي - كانت اقتباسًا إلى حدٍّ قريب أو بعيد من الدول التي كانت موجودةً في بلاد الشرق الإسلامي لذلك العهد، كما أن النهضةَ القانونية التي حدثت في (أوروبا)، وآلت إلى تكوُّن تلك الدولة، كانت صدًى لنشاط الدراسات القانونية في الممالك الإسلامية، التي كان القانون أو الفقهُ هو المادةَ الأولى للدراسة في جميع كلياتها"[2].

بل إن واقعَ الأمة ذاتَه يؤكِّدُ هذه الحقيقة؛ ذلك أن زعيمَ هذه الأمة وقائدَها الأوَّل الرسولَ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- سعى منذ البدايات لتشكيلِ واقعٍ سياسي تَسُودُه النُّظم والقوانين، ويخضع لِما نُسميه اليوم بنظامِ الدولة، بل إن الدراساتِ الكثيرةَ أثبتت قيامَ الدولة فعلاً في عصر النبوة؛ فكانت المدينة تُمثِّل عاصمةَ هذه الدولة، ثم تطوَّرت هذه الدولة تطورًا تاريخيًّا ملحوظًا مع اتساعِ رقعتِها، فأصبحت واقعًا عمليًّا في عهود الخلافة الراشدة، وهذا يقود إلى حتمية تاريخية تسمح بتقديم هذه الحقبة الزمنية (عصر الخلافة الراشدة كأنموذج لاستخلاص مبادئ النظرية السياسية الإسلامية ومناقشتها مناقشة بحثية أكاديمية، بل ومقارنتها مع تلك النظريات الحديثة والقديمة؛ بغية الوصول إلى أوجه الاتفاق والاختلاف بيننا وبين الغرب، ثم تناول هذه الظاهرة السياسية وتتبُّع حركتها التاريخية؛ لمعرفة ما طرَأ عليها من تحديث أو تغيير، وما هو الثَّابت فيها وما المتحول أيضًا؟ وهل هي رؤية أصولية جامدة أم أنها اجتهادات ومقاربات لها ما لها وعليها ما عليها، وصولاً إلى ما نحن بصددِه من تقديم رؤية معاصرة، تتَّكئ على ذلك التصوُّرِ الإسلامي؟ ثم هل يجوز لنا أن نُطلِقَ على هذه الرؤيةِ نظريةً سياسية إسلامية؟ وهل لهذه النظرية محدَّدات تجعَلُها مستقلة استقلالاً تامًّا أم أن للبُعد الدُّنيويِّ نصيبًا فيها، مما يجعَلُها قابلةً للنقد أو التطوير أو ما شابه ذلك؟

انظر نعمان عبدالرزاق السامرائي، النظام السياسي في الإسلام ص6، المكتبة الوقفية، عام2000
[2] انظر: الدكتور محمد ضياء الدين الريس، النظريات السياسية الإسلامية، ص16، ط6، دار التراث، د.ت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.