المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمضان محمد الجمال Headshot

بين بطة فاكانسون وعِجل السامري عالم من الاحتمالات

تم النشر: تم التحديث:

عام 1738 في متنزه توليري قام صانع الساعات الفرنسي فاكانسون بعرض واحد من أشهر الروبوتات على مر العصور، بطة ميكانيكية مثبتة على قاعدة خشبية لها ريش تصعب تفرقتها عن البطة الحقيقية.

تقوم البطة الروبوتية برفع رأسها والنظر حولها، ثم تتناول حبات من القمح تقوم بهضمها لتخرجها كما الحقيقية على شكل شظيات صغيرة.

يصرخ الأطفال ويحملق الكبار رافضين أن يتصوروا أنها مجرد بطة ميكانيكية ليست حية.

هذا السلوك نتيجة بعض التروس والروافع والخيوط المخفية نسَجَها فاكانسون بعناية داخل البطة، التي كانت بمثابة آلة محاكاة سلوك البطة الحقيقية.

طرحت بطة فاكانسون أسئلة مهمة ما زالت علوم الجهاز العصبي تبحث عن إجابة يقينية، هل السلوك الإنساني المعقد هو نتيجة التفاعلات الميكانيكية داخل كل منا كما بطة فاكانسون؟ أي أننا مجبرون على أفعالنا ومحدّدون بالآليات الميكانيكية المنسوجة داخلنا أم أننا لدينا القدرة على حساب خياراتنا وتحديد مصائرنا؟
هل يمكن فهم المخ البشري بفهم التفاعلات الميكانيكية للمادة التي يتكون منها، ومن ثَم يمكن للعلماء التنبؤ بسلوك البشر عند التعرض للخيارات المختلفة؟ وأخيراً هل تستطيع قوانين فيزياء نيوتن أن تفهم السلوك البشري كما فهمت سلوك الأجرام السماوية وحركة الأجسام الصلبة أم أن هناك شيئاً لا يمكن الوصول إليه أو فهمه مثل الروح مثلًا؟

إجابة تلك الأسئلة كانت الهدف الأساسي للعديد من فروع العلم من علوم النفس، الفلسفة، المخ والأعصاب وحتى الرياضيات على مدار القرون الأخيرة.

كانت بداية الإجابة عن تلك الأسئلة مع العالم شيرنغتون بصياغة ما استقر فى علوم الطب برد الفعل المنعكس (the Reflex)؛ حيث يمكن لقطة تم قطع الاتصال بين المخ والحبل الشوكى أن تحرك ساقها عندما وخزها الباحث بإبرة .

استنبط العلماء أن الجهاز العصبي هو مجرد آلة ميكانيكية عندما تتعرض لمؤشر حسي كاللمس أو الشم تقوم بتوصيل تلك الإشارة وتحويلها إلى حركة معينة تبعاً لنوع ومقدار المؤشر الحسي الذي تعرضت له دون إرادة حرة منا كما بطة فاكنسون!

أمثلة الأفعال المنعكسة التي نقوم بها نحن البشر دون الحاجة إلى القشرة المخية كثيرة منها أن تبعد يديك عندما تلسعك النار أو ترفع قدمك عندما يوخزك مسمار أو تفر هارباً عندما يهاجمك حيوان.

تربع مفهوم شيرنغتون لقرون على علوم الفسيولوجي تفسير لكيفية عمل الجهاز العصبي، وحاول الكثيرون من خلال أبحاث متعددة نقض هذا المفهوم، وإثبات قصوره فى شرح العديد من أنماط السلوك الحيواني والبشري منها مثلاً عدم قدرته على تفسير حركة مفصل مركب كالكتف.

حاول عالم الرياضيات ديفيد مار وضع تصور آخر للعلاقة بين السلوك والمخ، ورأى أن رد الفعل المنعكس ما هو إلا آلية صغيرة ضمن منظومة شاملة أكبر داخل الجهاز العصبي، ومن ثم لا يمكن تعميم الجزء على الكل، ولكي نفهم آلية عمل الجهاز العصبي علينا أن نفهم الغرض من وجوده أساساً.

قطع الباحثين شوطاً كبيراً حتى ساقت إليهم علوم البيولوجي الغرض وهو الحفاظ على بقاء النوع البشري، ولكي يحقق هذا الغرض لا بد أن يضع المخ خططاً بعناية لكل نشاط يقوم به الإنسان؛ ليحقق أكبر مردود لأفعاله، ولكن الخطط تحتاج إلى معلومات أكيدة، وحواسنا ليس لديها القدرة على معرفة كل ما يدور حولنا بدقة كما أن المخ ليست لديه قدرات خارقة لحساب كل الاحتمالات، ومن ثم نحن نعيش فى عالم غير معلوم كلياً بالنسبة لنا، مما يجعل كل قراراتنا تحتمل الصواب والخطأ، إذن الغرض الأساسي للجهاز العصبي هو محاولة صياغة قرارات سلوكية وحركية ملائمة تضمن بقاء النوع وانتشاره، ولكي يحقق هذا الغرض لا بد أن يحتوي على وحدات معالجة وصياغة قرارات، وليس كونه مجرد موصل أو آلة ميكانيكية.

إذن ربما نكون غير متأكدين إلى الآن من آلية عمل المخ أو كوننا مسيرين أو مخيرين كلياً وتلك طبيعة العلم (نظرية تزيح أخرى ومفهوم يكمل آخر إلى أن نصل إلى شيء يقيني في النهاية)، ولكن الأكيد أننا نعيش في عالم من الاحتمالات وعدم اليقين جعل لنا جهازاً عصبياً متطوراً لديه القدرة على اتخاذ قرارات تضمن بقاء النوع وتطوره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المرجع كتاب Decisions، uncertainty and the brain by paul.W. Glimcher

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.