المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمضان محمد الجمال Headshot

لماذا خلق الله النميمة؟!

تم النشر: تم التحديث:

فى بلد يجرم التظاهر تم القبض على ثلاثة أشخاص (أنا وآخرين) من ضمن مظاهرة ضد سياسات الحكومة.

حُبس كل منا في سجن لاستجوابه بعيداً عن الآخر، وفي حال اعترف أحدناً على الآخرين يتم اعتباره شاهداً في القضية، ولا تتم إدانته بينما سيقبع مَن يعترف عليه رفقاؤه خلف القضبان لسنوات، ترى ما هو السيناريو الأفضل بالنسبة لنا؟

هناك عدة احتمالات:

الأول: أن نبادر جميعاً بالفعل الحسن بعدم الاعتراف بالجريمة، ومن ثم لا يمكنهم إدانة أي منا!

الثاني: أن يعترف كل منا على الآخرين خوفاً من أن يكونا اعترفا عليه، ومن ثم يتم توزيع العقوبة بيننا بالتساوي.

الثالث: أن يرفض أحدنا بينما يعترف الآخران عليه، وفي تلك الحالة يحصل مَن اعترف على حريته، بينما يقبع الآخران سنوات في السجن.

يسمى هذا السيناريو في علم نظرية اللعبة متاهة السجين.

ونجد أن السيناريو الآمن (بغض النظر عن موقف الشركاء في القضية) هو أن تعترف عليهم، وفي حال اعترفا عليك سيتم اقتسام العقوبة بينكما، وفي حال لم يعترفا تفوز أنت بالبراءة ويقبعان هما في السجن.

إذن الاستراتيجية الغالبة عند التعامل مع المجهول، وفي غياب اتفاق ضمني ومعرفة حقيقية بطبائع الأفراد أن تؤمن نفسك وترفض تقديم النوايا الحسنة، والتعاون من جهتك قبل أن يقدمها الآخرون، وربما عليك أن تحاول توريطهم قبل أن يبادروا هم بذلك!

ولكن يتردد في أوساط النميمة أن أحد الثلاثة لا يمكن أن يشي برفقاء الثورة حتى إذا لم يكن يعرفهم، ومن ثم لا يمكن أن يعترف ضدي إذن فهو متعاون، وربما عليّ أن أتعاون معه أيضاً لنفوز بالبراءة، بينما الآخر سيئ السمعة ولا نعرف توجهاته ونواياه الحقيقية وغالباً سيشي بنا، إذن ربما من الراجح أن أعترف عليه.

لهذا السبب أصبحت النميمة عادة بشرية تطورية مترسخة في جذورنا، فهي بمثابة معلومات وتقارير نقوم بنشرها عن بعضنا البعض؛ لنتخذ على ضوئها قرارات مصيرية عند التعامل مع بعضنا.

يعرف هذا الرجل في قريتنا بالعنف والعنفوان، بينما يعرف الثاني بالطيبة والمسالمة، وهناك ثالث يقال عنه إنه في حاله، ورابع غامض لا يعرف عنه شيء.

إذن ربما عليّ أن أتجنب الصراع مع الأول، وأتعاون مع الثاني، ولا أتوقع تعاوناً مع الثالث، بينما لا يمكنني التنبؤ بتصرفات الرابع.

السمعة تعزز التعاون بين أفراد المجتمع وتسمح للاعبين في الحياة بالتنبؤ الجيد بأفعال الآخرين.

النميمة هي مكون أساسي للسمعة بغض النظر عن كون الكلمة تحمل معنى سلبياً، فالسمعة في النهاية عبارة عن آراء سلبية وإيجابية يتداولها أفراد المجتمع عن شخص ما، كل حسب نتيجة تعامله مع الشخص، وفي النهاية تنتشر الآراء الأكثر قوةً والتي تتوافق مع رأي الأغلبية.

ربما يدفع القادة والرموز الدينية نحو عدم النميمة، وأن التحدث ينبغي أن يكون بالإيجابيات فقط، ولكن في حال إذا حدث هذا فسيختل التوازن وتنتشر صورة مغلوطة عن أحوال الأشخاص والمجتمع ككل، ثم يفاجأ الناس بخيبة أمل عند تعاملهم مع البعض، بل وربما يزيف التاريخ، وقد حدث بفعل القادة المنتصرين والزعماء الغالبين، فالتاريخ يكتبه المنتصر بقدرته على حجب النميمة المجتمعية ونشر الصورة المزيفة لشخصه الكريم بالقوة.

لست أشجع على النميمة بقدر ما أحاول أن أفهم لماذا زرعتها الطبيعة فينا كميزة تطورية ساهمت في بقائنا وتطورنا على مدار السنين في الوقت الذي حرمها علينا القادة والرموز الدينية؟!

ليس هناك شر مطلق، ولا خير مطلق، واهمٌ مَن يتصور ذلك، فلكل شيء سلبيات وإيجابيات، حتى النميمة تحمل بعض ملامح الفضيلة.

ملحوظة: القصة السالف ذكرها في المقال هي من وحي خيالي ولا تمتّ للواقع بِصِلة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.