المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمضان محمد الجمال Headshot

متى قام الموتى من قبورهم! (مغالطة الإحياء)‎

تم النشر: تم التحديث:

منذ سبعة آلاف عام ارتفعت حضارة المصريين إلى عنان السماء، وشيد أسلافنا عجائب الأهرامات والمعابد في ظل دولة من أقدم الدول في التاريخ أبهرت العالم، ولكن منذ هذا التاريخ أيضاً ولا تزال لعنة هذه الحضارة تطارد أبناءها ولم يرتفع لهم شأن ولم تقُم لهم قائمة.

ليس المصريين فقط، ولكن كل الحضارات التي سبق أن ارتفعت في يوم من الأيام، وكل الأمم التي سادت العالم لم يحدث أن قامت لها قائمة أو علو مرة أخرى من الحضارة السومرية والهندية والصينية واليونانية والرومانية ثم الفارسية، ومروراً بالإسلامية وانتهاء بالإمبراطورية العثمانية والإنكليزية، وكأنها لعنة تصيب أصحاب الحضارات، أقصد بالعلو هنا أن يكون للحضارة نفس الزهو والسيطرة على العالم، وليس مجرد وثبات حضارية محدودة من آن لآخر مثلما يحدث في الهند والصين وتركيا وبعض الدول الأوروبية.

يبدو أن هناك معادلة فيزيائية تتعلق بالحضارة، وهي أن من يعلو مرة لا يحدث أن يرتفع أخرى عبر التاريخ، وأن حركة النمو تسري في اتجاه واحد، ومن ثم لا يمكن أن تصادف نفس الأمة مرتَين.

رغم أن أصحاب الحضارات لديهم تحيز لأنفسهم، وتصور وهمي لعودة حضارتهم، وهو ما لم يحدث، نجد أصحاب الحضارات يعيشون على أنقاضها، من عظمة الحضارة المصرية إلى عودة الإمبراطورية الفارسية، إلى وهم الخلافة الإسلامية، إلى خداع الإمبراطورية العثمانية، ولكن الزمن لا يعود أدراجه، ومن علا مرة لن يعلو أخرى.

الحضارات كبصمة الأصابع، لا يمكن أن تتكرر حتى في التوائم، تختلف بصمة أصابعهم لاختلاف العوامل المحيطة بهم في رحم الأم، مثل حركة السائل الأمنيوزي، وعوامل أخرى.

ولكن لماذا تسري حركة الحضارات في اتجاه واحد؟

كل تفاعل فريد يحدث في هذا الكون يحيط به مجموعة من العوامل المحفزة، تسهم في صياغة المركب النهائي.

نفس الحال، كل حضارة يبزغ نورها يكون من حولها الفضاء مظلماً، وإذا أردت أن تحيي حضارة من جديد، ليس فقط عليك أن توقظ همم أصحابها، ولكن عليك أيضاً أن توجد نفس العوامل والظروف المحيطة بها في ذلك الوقت، من ثَم لا يمكنك أن تعيد صياغة نفس العوامل بنفس الآلية مرة أخرى، أو تظلم الفضاء من حولها؛ لكي يبزغ نورها.

كما يولد الإنسان حدثاً ثم يصبح طفلاً ثم يبلغ، وينضج، ليكبر ويشيخ، ثم إلى زوال، كذلك الحضارات، وكل الأمور في الكون، حتى النجوم لها عمر محدود، تضمحل وتنتهي بعده، ولا يمكنك أن تعيد إحياء نجم بعد مواته مرة أخرى، رغم أنه لا يفنى حرفياً، ولكن تسري طاقته وينثر رماده بين الكواكب والنجوم الأخرى.

لكل حضارة تفاعل فريد أدى إليها، لست محللاً أو متخصصاً في التاريخ بالقدر الكافي، ولكن سأتناول الوثبة الحضارية الأميركية كونها الأحدث.

ركب المغامرون المحيط والهاربون من جحيم الإمبراطوريات والباحثون عن الحرية وحتى عتاة المجرمين إلى الأرض الشاسعة الجديدة، أرض بها كنوز وخيرات لم تفض بكارتها، وأمة شابة مغامرة تركب الأهوال لا تخضع لحكومة أو نظام محدد، حدث تفاعل عشوائي شرس بين الفئات على مدار عقود وقرون؛ ليصلوا في النهاية إلى صيغة في التعايش السلمي بينهم على أساس مصلحة مشتركة بين حرية ومصالح الأشخاص، ووحدة ومصلحة الوطن، بحيث تغل يد الحكومات عن التحكم في الأفراد والمؤسسات الخاصة؛ ليكون للنبوغ الفردى بريق هائل إلى الحد الذي يكون لبعض الأشخاص مثل بيل غيتس ومارك زوكربرغ وآخرين سلطة وبريق، ربما تعادل رئيس الدولة نفسه.

ولكن لن تهرب الأمة الأميركية من فيزياء الكون، وحركة التاريخ، سوف تشيخ في يوم ما وتضمحل، وتنتهي إلى صفحات التاريخ كالسالفين، يقدر البعض تلك المدة بمائتي سنة، لتظهر حضارة أخرى في مكان غير معلوم إلى الآن، وأعتقد أنها لن تكون الصين كما يعتقد الكثيرون، ولكن ربما تكون وثبة حضارية من أمة ليست على الخريطة أصلاً، ولكنها ستتولد نتيجة تفاعل ما لا يمكن التنبؤ به الآن.

إذن ربما من العبث أن يهدر أصحاب الحضارات الغارقة طاقتهم في بعث الموتى، يكفيهم فقط وثبات حضارية من آن لآخر تضمن لهم السير في ركاب حركة الحضارات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.