المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمضان محمد الجمال Headshot

الجسد المثالي للمعرفة

تم النشر: تم التحديث:

إذا كنت تقوم بالبحث عن موضوع ما ستلاحظ صعوبة في إنجازه إذا كانت المعلومات المتاحة عنه شحيحة؛ لأنه لا يمكنك أن تصل لخلاصة ما عن الموضوع، ولكنك ستجد نفس الصعوبة أيضاً إذا كانت المعلومات المتاحة عنه زائدة عن الحد "لأن بها كمية غير ضرورية من الضوضاء، سوف تصيبك بالملل، وتترك الأمر برمته، ولكنك تستطيع إنجازه ببراعة عندما يكون حجم المعلومات المتاحة عنه بينَ بينَ، أي في المعدل المثالي.

في إحدى تجارب المحاكاة للحروب، كان اللاعبون طلبة جامعة في فريقين، أحدهم مهاجم، والآخر يدافع عن جزيرة صغيرة.

كان القائمون على التجربة يرغبون في معرفة الكم المثالي للمعلومات المتاحة من خلال المخابرات العسكرية لكل فريق، حتى يستطيع كل منهم اتخاذ القرار المناسب.

أفضت التجربة إلى أن اللاعبين كانوا في أفضل معدلات الأداء عندما أتاحت لهم مخابراتهم العسكرية عشر قطع من المعلومات فقط خلال اللعبة، وأن أي نقصان أو زيادة عن هذا المعدل أربك قراراتهم العسكرية.

مع بداية عصر التليفون والاتصالات كانت إحدى أهم المشاكل التي تعمل عليها الشركات الرائدة هي كيف تنقل أكبر كمية من المعلومات في أقل مساحة من الزمان والمكان.


كانت الأسلاك النحاسية في كابلات التليفون لديها قدرة محدودة في نقل المعلومات من خلالها، وكان التوسع في إنشاء خطوط جديدة مكلفاً جداً في ذلك الوقت، بعد العديد من التجارب في معامل بيل للتليفون كانت النتيجة أن شركات الاتصالات ليست بحاجة لنقل معدل التردد الصوتي للبشر كاملاً.

تستطيع الأذن البشرية أن تسمع الأصوات التي يتراوح ترددها من 20 هرتز إلى 20.000 هرتز، ولكن يمكنها نقل ترددات الصوت التي تتراوح من 300 إلى 3300 هرتز، وتجاهل باقي المعدل دون أن تخل بمحتوى المكالمة أو المعلومات الواردة بها، وهذا ما أعطى للمحادثات التليفونية هذا الصوت المعدني الزنان.

نفس الآلية في أبراج التليفون الخلوي ويمكنك أن تلاحظ تأثير هذا إذا حاولت أن تستمتع إلى الموسيقى عبر التليفون؛ حيث يختفي صوت الطبلة "تردد منخفض"، كذلك صوت الصاجات "تردد عالٍ".

ربما يبدو هذا قصوراً تكنولوجياً في نقل المعلومات يماثله قصور فسيولوجي وظيفي في الجهاز السمعي لنا نحن البشر، فالأذن البشرية لا يمكنها في معظم الأحوال أن تسمع ترددات أقل من 20 هرتز أو أعلى من 20.000 هرتز، بينما الكون الذي نعيش فيه به ترددات تفوق هذا المعدل بكثير، تستطيع كائنات أخرى أن تسمعها كونها تمتلك جهازاً سمعياً أكثر حساسية، منها على سبيل المثال الكلاب التي تستطيع أن تسمع حتى 45.000 هرتز، والقطط حتى 64.000 هرتز، والفئران حتى 76.000 هرتز، والجرذان حتى 91.000 هرتز، وربما يفسر هذا الاعتقاد السائد بأن تلك الكائنات تستطيع أن تستشعر الزلازل قبل أن نشعر بها.

بتأمل الأرقام السابقة ندرك أن حاسة السمع لدينا حصرتنا داخل مدى معين، وحددت لنا منظور ونافذة محدودة نطل بها على العالم تماماً، مثل حاسة النظر وباقي الحواس مثل الشم والتذوق واللمس، ولكن لماذا فعلت بنا ذلك؟

السر داخل العقل البشري الذي لا يمكنه أن يتعامل مع أكثر من 120 بايت من المعلومات في الثانية الواحدة طبقاً للعديد من التجارب؛ لهذا قصر الحواس على مدى معين يسمح بنقل كمية محدودة من المعلومات إليه في زمن معين حتى يستطيع أن يتعامل معها ويعالجها ويتخذ قراراته بناء عليها.

كذلك فرض علينا رغم الثورة المعلوماتية والعلمية أن نتعامل مع كمية محدودة من المعلومات في زمن معين حتى ينجز لنا المشاريع والمهام المختلفة التي نعمل عليها.

المعلومات القليلة عن هذا المعدل لا تسمح له باتخاذ القرار المناسب نفس الحال بالنسبة للمعلومات الزائدة عن الحد تجعله يستهلك طاقة أكبر دون أن يتخذ القرار الصحيح.


ولكن كما نجحت شركات التليفون في استخلاص ونقل المعلومات المهمة في المحادثة التليفونية وتخلصت من الضوضاء والمعلومات غير المهمة دون أن تحذف معلومات حيوية من المكالمة.

لا بد لنا أيضاً أن نحاول أن نستخلص المعلومة ونتجاهل الضوضاء المصاحبة حتى لا نربك أمخاخنا في معالجة معلومات ليس لها قيمة.

فالعالم الذي نعيش فيه اليوم أصابته تخمة المعلومات السياسية والاجتماعية والدينية والعلمية، وتنافست العديد من الوسائل لجذب انتباهنا من تلفزيون وراديو ووسائل تواصل، مثل: فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، وأصبحت المعلومة تحت أطراف أناملنا في كل وقت بنقرة زر على شاشة التليفون أو الحاسوب.

علينا أن نركز على عمل واحد مهم فقط لفترة من الوقت، ونتجاهل كل الأعمال الأخرى غير المهمة، وبذلك نكون قد قلصنا معدل المعلومات التي نرسلها إلى أمخاخنا، ومن ثم يمكنه أن يتخذ لنا القرار الصحيح، عندما تكون في العمل لا تلتفت إلى الرسائل الواردة في البريد الإلكتروني أو تشاهد التلفاز أو تتصفح الفيسبوك أو تتحدث في الهاتف.


كذلك ليكن لديك ما يسمى بمفاتيح الاختصار (شورت كت) أو القاعدة الذهبية؛ حيث يمكنك أن تعرف المعلومة الأكثر حيوية عن كل موضوع أو مشروع أو مقال أو بحث علمي تعمل عليه، وتجاهل الكثير من المعلومات الأخرى غير الحيوية، وعن نفسي أطبق تلك القاعدة في مجال عملي في الأشعة التشخيصية؛ حيث أهتم بمعلومة أو أكثر عن الموضوع وأتجاهل الباقي.

إذا أردت أن تنجز بحثاً أو تقرأ كتاباً أو تكتب مقالاً اتخذ لنفسك مكاناً تتقلص فيه كمية المعلومات الواردة إلى حواسك، غرفة مثلاً ليس بها تلفزيون أو هاتف أو ضوضاء من أي نوع، وقم بالعمل المكثف على الأمر لمدة ساعة مثلاً، وستلاحظ حجم العمل الذي أنجزته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.