المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجية كمال الدين  Headshot

هانا بيكر وأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:

"مرحبا أنا هانا بيكر.. إنه أنا مباشرة وبصوت استريو لا تقلقوا لا نية لي للعودة بأي طريقة، هيا أحضر وجبة خفيفة؛ لأنني على وشك أن أقص عليك قصة حياتي".

هكذا استهلت الوجه الجديد "كاثرين لانغفورد" أول دقيقة من المسلسل المثير للجدل "13 reasons why"، هذا العمل الذي أكاد أجزم أنه لم يسرق انتباهنا ويثير حماسنا فحسب؛ بل إنه أعاد جيل مشاهدي "Friends" و "Desperate housewives" إلى العودة إلى متابعة المسلسلات بعد محاولات جادة كثيرة لمتابعة روائع مثل "Game of thrones" أو "Breaking bad"، ولكنها باءت بالفشل.

الممتع في العمل ليس فقط القصة أو الحبكات المنطقية التي لا تدفعك للملل، وإنما الممتع هو تعقيدات العقل البشري التي أدخلتنا فيها "هانا بيكر" بشخصيتها الدرامية، كل أصدقائها في المدرسة كانوا يصفونها بأنها تعشق الدراما، وأنها انتحرت للفت الانتباه، ولكنك لا تستطيع أن تجزم أن هذا السبب الحقيقي، غير أنها شخصية عادية جداً أفقدوها ثقتها في نفسها وعرضوها للإهانات والسخرية مراراً وتكراراً، وبدون أدنى سبب واضح؛ مما دفعها إلى أن تريحهم منها مع إمدادهم ببعض عذاب الضمير عن طريق تسجيل ما حدث معها في شرائط ترسلها إليهم.

كنت أشاهد العمل، وفي عقلي سؤال واحد: ماذا ينقصهم؟ ما ينقص "هانا" نفسها من الجمال أو الحرية أو الحياة العائلية الهادئة ليدفعها للانتحار؟ ما ينقص هؤلاء المراهقين حتى يكونوا بتلك الخسة والندالة التي رأيتها في كل واحد منهم؟

لا يوجد لديهم فقر أو جهل أو أمراض اجتماعية أو قمع وتضييق حريات مثل ما يوجد في بلادنا العربية.. تلك الأسباب التي جعلتنا نرى نافورة الهجوم التي يفتحها كل مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي كل فترة؛ ليتسلموا فيها شخصية معينة يمطرونها بوابل من السخرية والتجريح التي ربما تصل لحد الخوض في السمعة، لمجرد أن المحتوى الذي يقدمونه لا يعجبهم.

أذكر ذات مرة أنني كتبت في إحدى المدونات عبارة مفادها أن المصريين أصبحوا يعانون من اكتئاب مزمن وحالتهم النفسية تحت الصفر، وهذا بالمناسبة التي تفيده الدراسات العالمية مؤخراً عن أسعد شعوب العالم أو أسعد شعوب الوطن العربي، ليس من بنات أفكاري في النهاية؛ لأرى بعدها سيلاً من الشتائم والسباب في تلك الخائنة التي تلوث سمعة مصر، هذه التدوينة التي كانت مراجعة لفيلم هوليوودي بالمناسبة.

يومها أذكر أني هلعت وتضايقت كثيراً، لست شخصية عامة، ولا أحاول حتى، ولا أريد أن أظهر بمظهر الأديبة الفيلسوفة من خلال تلك التدوينات القليلة التي هي تفريغ لثرثرة عقلي ليس أكثر، لِمَ إذاً كل هذه البذاءة؟!

بالطبع موقفي التافه هذا لا يُقارن أبداً بما تتعرض له تلك الفتاة التي استغلت دراستها للسياحة في التعريف للأماكن السياحية في مصر، فقد أصبحت حديث الناس، وانقسموا بسببها لفريقين؛ أحدهما يمدح جمالها بحرارة لدرجة تصل إلى التحرش، وأحدهما يسب بعنف لدرجة تتهمها بأنها تستغل جمالها ورقتها للترويج لمحتوى قُتل بحثاً.

رأيت مؤخراً منشوراً لإحدى الشخصيات اليوتيوبية في مصر يتساءل أيضاً عن السبب الذي يجعله يُسب ويُلعن إذا ما نشر أي محتوى جديد، صرت أطالع منشوره الطويل، وأنا أردد في نفسي: "حتى أنت يا بروتس"، فمحتوى هذا الشخص بالذات من الأشياء التي لا غبار عليها، فحتى إذا لم تكن من محبي المحتويات الكوميدية الساخرة فهو لا يستطيع إلا أن ينتزع الابتسامة رغماً عنك، فهو أبعد ما يكون عن السماجة أو الاستظراف.. فلماذا يُسب هو أيضاً؟

مرة أخرى أعادتني ذاكرتي إلى إحدى الشخصيات اليوتيوبية التي تتمتع بشهرة لا بأس بها نابعة من المحتوى الجاد المتدين الذي يقدمه، حين قرر ذات مرة أن يجعل موضوع إحدى تدويناته المصورة عن البحث عن بديل لأحد المأكولات التي زاد سعرها في مصر مؤخراً، شاهدت الفيديو بالصدفة على قناته على اليوتيوب لأجد في التعليقات مَن يدعو هذا المدون لأن يكتفي بنشر تدويناته على اليوتيوب وحسب، حتى يتجنب السخرية والإهانة التي طالها هذا الفيديو عندما نُشر على الفيسبوك، قلت لنفسي: ما هذا الهراء؟ ما هو السيئ أو التافه في المحتوى حتى يتعرض للهجوم؟ من قال إن الشخصيات المتدينة يجب أن تظل طوال الوقت في الدروس والوعظ والإرشاد؟ أليسوا أناساً مثلنا يعيشون في نفس ظروفنا الاجتماعية ولهم آراؤهم وتعليقاتهم عليها؟

ثم ماذا لو كان المحتوى تافهاً ولا يليق، أين الكارثة؟ من قال إن البشر يجب أن يظلوا طوال الوقت يكشفون عن أحدث الاختراعات العلمية أو يذهبون في رحلات للفضاء الخارجي لاكتشاف المجرات حتى يعجبك محتواهم وينجحوا في اقتناص ابتسامة رضا منك؟ نعم نحن تافهون وليس لنا قيمة كبيرة مثلك.. ماذا بعد؟!

هناك من يقول إن من حق الجمهور النقد وطالما ارتضى الشخص أن يعرض عمله على العامة فليتحمل تبعات ذلك، وحتى في كل الدول المتحضرة تتم السخرية من معظم الشخصيات العامة بمن فيهم رؤساء الدول نفسها فكيف تعظمون أنفسكم هكذا؟

هذه حقيقة، والنقد مطلوب أيضاً؛ لتصحيح أي مسار خاطئ ربما يقع فيه أي شخص، ولكن هل النقد البنّاء الذي تطالبون به هذا يمت بأي صلة لنظام التحفيل المستمر الذي يطال أي شخص لم يحالفه الحظ -للأسف- ويصبح محط إعجاب لأي من مشاهير الفيسبوك صاحب الأكثر من 200 ألف متابع، الذي يبدع في كتابة بوست لاذع يزينه ببعض الشتائم الجنسية أحياناً؛ لينهال عليه متابعوه بالتهليل والتصفيق الحاد، ومنهم مَن يجامل صاحب المنشور بسبة أو اتهام كعربون محبة من صديق لآخر.. منطق شبيه بعض الشيء بلقطة المسجل الخطر في الدراما العربية الذي يهاتف أصدقاؤه بلهجة جادة وآمرة قائلاً: "عندنا طلعة يا رجالة"؛ ليلتفّ هؤلاء الرجالة حوله ويتوجهوا إلى البائس الذي دوره أن يتلقى علقة الموت وحسب.

ومن مفارقات القدر أنني صراحة تذكرت هذا التشبيه عند رؤيتي لإحدى الصور الساخرة على المسلسل السالف ذكره، حينما جاء بصورة مجمعة لزملاء "هانا" في المسلسل، وتحتها صورة لطلعة الرجالة هذه، في إشارة واضحة إلى أن البلطجة والضرب والاعتداء ليست فقط بالأسلحة البيضاء والعصي.

"هانا" في المسلسل قررت الانتقام، بينما نحن في الواقع نكتفي بالدفاع عن أنفسنا وإقناع الآخرين بأننا جيدون، ولكن اسمحوا لنا بقليل من سعة الصدر ونعدكم بأننا سنبهركم.. وكأننا في قفص الاتهام ويجب أن نقول شيئاً أخيراً لعل وعسى نسترضي القاضي ويخفف حكم الإعدام، أتساءل أحياناً: ماذا عن أن نستبدل ردات فعلنا هذه بكلمات ترضي جميع الأطراف؟

ماذا عن الكلمة المختصرة العبقرية "معلش"؟ جرب الكثير هذه الكلمة مؤخراً وسجلوا إعجابهم بالنتيجة، لمَ لا نقر مبدأ "المعلش" جميعاً وندع مَن يسب ويتهم ويلعن آباءنا وأمهاتنا الذين ليس لديهم أي ذنب في القضية ينطلق كيفما يشاء لنربت على كتفه نحن في النهاية ليهدئ من روعه قليلاً؟!

أعتقد أنه حل سحري سيجعل السلام يعم على الجميع ويتقبلوا أن هناك خيارات اخترعها "مارك زوكربيرغ" لإلغاء إعجاب للصفحات التي لا تريدها، بدلاً من أن تصاب بالفالج -لا قدر الله- وأنت مندمج في كتابة مُعلقة الهجاء هذه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.