المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجية كمال الدين  Headshot

لماذا يتعين عليك مشاهدة فيلم "The Mist" عند إصابتك بالاكتئاب؟

تم النشر: تم التحديث:

بدايةً، هذا المقال ليس لشرح أسباب الاكتئاب ولا حتى يحاول طرح حلول له، فبمجرد أن تعرف أن الشخص الذي أمامك هو مصري، لا يجب مطلقاً أن تسأله عن حالته النفسية؛ لأنها بالطبع ستكون "صفر" أو قد تحته ببضع درجات.

كما أني لست من أنصار فكرة التنمية البشرية هذه، واضحك يا هذا لماذا أنت تعيس؟ ألا تعلم أن لكل مشكلة حلاً؟ إذن ابتسم افرح ارقص غنِّ إلى آخر هذا الهراء.. فالاكتئاب مرض وليس مجرد بَطر من أشخاص مدللين؛ لذا من الأفضل أن تكفوا عن تلك النصائح الطفولية؛ لأنها بالأساس لا تجدي نفعاً.

إذن ما العمل؟ نلقي بأنفسنا من الشرفة لنرتاح!! لا هذا مبكر بعض الشيء، وفر هذه النصيحة عندما تتفاقم أزماتك أكثر.. ما رأيك في فيلم ما، ونندمج في قصته، قد ينسينا ما نمر به قليلاً.

ستسمع من يقول: عليك بأفلام الرسوم المتحركة أو الكوميدية، فهي خير معين على تلك الحالة.. لا أريد أن أصدم أصحاب هذه الاقتراحات وأقول إن قصصهم وأفلامهم هذه لا تجدي أحياناً أي نفع على الإطلاق؛ لأن الاكتئاب في الأساس يصطحب معه حالة من السماجة والبرود تجعلك لا تستطيع الابتسام حتى إذا كنت تشاهد "Friends" أو "سك على بناتك"، بل إنك ستشعر بسخافتك وقتها أنك كنت تضحك على هذا الهراء يوماً ما.

إذن سنلجأ للحيلة الأقدم على الإطلاق (داوها بالتي كانت هي الداء)، سننغمس في الاكتئاب أكثر ربما ننفر منه أو يصيبنا الملل وحينها نقرر الخروج منه.

حسناً، ما رأيكم في فيلم "The Mist".. أسمع من يقول هل جننتِ؟ هذا الفيلم بالأساس يصيبك بالاكتئاب، بالفعل هذه ليست مبالغة فكل المقالات والآراء التي كُتبت حول الفيلم تؤكد هذه المعلومة.. فهو من أكثر الأفلام ذات النهايات السوداوية على الإطلاق.. التي تعتقد أنها ستزيد اكتئابك أضعافاً ولكنها ليست الحقيقة.. سأشرح لكم السبب.

هذا الفيلم مبني على قصة بنفس الاسم للأديب الأميركي الشهير "ستيفن كينغ"، تدور القصة حول بلدة صغيرة تتعرض لعاصفة من الضباب تصحبها كائنات متوحشة من كوكب آخر تكونت نتيجة لتجارب بيولوجية للجيش لاقتحام الكواكب الأخرى، مما دفع البطل وابنه اللذين كانا وقت هجوم الكائنات في متجر تجاري إلى الاحتماء بالمتجر مع كل من كانوا فيه وقتها حتى ينتهي الأمر أو تأتي لهم المساعدة.. ولكن الكائنات نجحت في التسرب إلى المتجر وقتل واحد منهم قبل أن تغزوهم أسراب الحشرات وتقتل الكثير.. الأمر الذي دفع البعض إلى الانتحار خوفاً مما سيحدث لهم أو إلى الصلاة مثل واعظة كانت تحاول أن تقنع الجميع أن هذا عقاب الرب لهم، ويجب أن يكفروا عن خطاياهم بالصلاة وترك من لا يؤمنون بعقاب الرب، ليلاقوا مصيرهم مع الحيوانات، حتى إنها نجحت في تحريض الجميع على قتل جندي من الموجودين، بعد أن اعترف له زملاؤه الجنود قبل أن ينتحروا أن هذه الكائنات جاءت نتيجة لتجارب الجيش.. فقتله من في المتجر ورموه إلى تلك الكائنات لتأكله، وهنا يقرر البطل وابنه ومعه بعض الأشخاص أن يخرجوا من المتجر قد يمكنهم الابتعاد بالسيارة وطلب النجدة، وما إن يخرجوا حتي يُفاجأوا بالمدينة التي أصبحت أطلال وسكانها الذين أصبحوا جثثاً، حتي ينفد وقود السيارة وهم ما زالوا في الضباب، ولم يخرجوا من المدينة بعد، فيتخذون قرارهم بالانتحار بالسلاح الذي كان معهم، مفضلين ذلك على الالتهام من الحشرات، ولكن المسدس به أربع طلقات فقط وهم خمسة، فيقرر البطل قتلهم وسيسلم نفسه بعدها للحشرات لتأكله، وما إن يفرغ فيهم طلقاته وبمن فيهم طفله الصغير، حتى يبدأ بصرخات الألم والحسرة؛ لكي تنتبه الحشرات لمكانه وتنهي أمره، ثم فجأة يرى قوات الجيش قادمة إليه وقد قامت بحرق الحشرات وتطهير المدينة بالكامل، وأنقذت أيضاً المحتجزين الذين كان معهم منذ بضع ساعات في المتجر.

نهاية حزينة وبشعة أليس كذلك؟، بل إنها أول نهاية من نوعها تنتهي بالانتصار على الشر وإنقاذ الناس ومع ذلك تعتبر مأساوية.. فأراهن أياً من شاهد هذا الفيلم ولم يصرخ ألماً مع البطل وهو يصرخ في لقطة النهاية.. ولكن حسناً أين الخروج من الاكتئاب من هذا كله؟.. أنا أرى سواداً ومأساة هنا، كيف سأتحسن الآن؟

الحقيقة أن الفيلم نفسه يقدم رسالة واضحة جداً تقضي على اكتئابك في برهة، "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ".. تخيل أن كل الإحباطات التي مررت بها في حياتك كانت مثل تلك اللحظة التي قرر فيها البطل الضغط على زناد المسدس وقتل أصدقائه، قل لي هل لو كان يعلم أن النجاة على بعد دقائق منه هل كان سيفعلها؟، بالتأكيد لا.. ولكن خوفه وحزنه وكل ما شاهده من ويلات ما فعلت الحشرات بالناس شلت تفكيره هو وأصدقائه وجعلتهم ينهون حياتهم في لحظة، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم المبادرون المتفائلون بالنجاة الذين قرروا تحدي الجميع والخروج من المتجر وملاقاة كل هذه المصائب، ولكن هذه المثابرة والشجاعة ذهبت كلها عندما تسلل اليأس إليهم.. ماذا لو تخيل واحد منهم فقط أن النجدة قريبة؟، ربما كان هذا سيعدلهم عن قرارهم أو على الأقل سيعطلهم بعض اللحظات عن التنفيذ، ولكن عندما تمكن منهم اليأس تبخر كل شيء.

ماذا لو كنا نتصرف طيلة الوقت مثل بطل هذا الفيلم ونحن لا نشعر؟ نقع في مشكلة نبدأ بالاكتئاب ولعن الواقع وربما نخسر صديقاً أو أحد الأقارب في رحلة الامتعاض والعصبية هذه ونحن لا نشعر أن الفرج على بُعد دقائق.. لا أقصد بالفرج هنا إيجاد حل للمشكلة؛ لأنها غالباً لا تُحل بسهولة، ولكن أقصد بصيص الأمل الذي يأتيك فجأة، ويجعلك مستعداً لإنهاء حالتك التعيسة هذه، مثل أن تقرر فجأة أن تغلق هاتفك الذي يأتيك منه مكالمات التوبيخ من مديرك في العمل، أو تترك حجرتك التي تحبس نفسك بها وتقرر الخروج قليلاً أو حتى أن تترك العمل المتراكم عليك للحظات وتقرر الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة فيلم ما.. أعلم أن هذا ليس حلاً للمشكلة، ولا خروجاً من الاكتئاب، ولكنه يظل تغييراً للطاقة السلبية.. ربما سيقنعك أن هناك أشياء أفضل من اللجوء إلى الاكتئاب والغرق في دوامته التي لا ترحم أحداً.

خلال أولمبياد ريو دي جانيرو، تابعنا جميعاً قصة السباحة السورية "يسرا مارديني"، وعلى الرغم من أنها لم تفز بأي ميدالية في المسابقة، فإنها حصلت على ما يوازي كل أنواط وأوسمة الشجاعة على قصتها المذهلة.

يسرا مثلها مثل باقي السوريين العالقين تحت قذائف الموت وبراميل بشار، لجأت للفرار من كل هذا إلى الهرب بمراكب صغيرة عبر البحر لأوروبا، وبعد نصف ساعة فقط، غرق القارب الذي كان يحملها هي وأختها وعشرين شخصاً آخرين.. تتوقع كيف ستتصرف؟ أو كيف ستتصرف أنت لو كنت محلها؟ أسمع من يقول: سأتلو الشهادتين وأستسلم لمصيري وحسب، حتي إذا نجوت سأصبح لاجئاً منبوذاً في بلد غريبة وسوف أُعامل أسوأ معاملة، فليتغمدني الله برحمته إذن، فبكل الأحوال كنا سنموت تحت ركام منازلنا في بلدنا.. لعل صور جثثنا على الشاطئ توقظ ضمير العالم قليلاً.

ولكن "يسرا" ذات الثمانية عشر عاماً فعلت العكس، فقد سبحت هي وأختها ما يزيد على ثلاث ساعات في مياه باردة، وهما تمسكان في الحبال المتدلية من جوانب القارب، محاولتين دفع المركب، حتى وصل القارب المتهالك إلى شاطئ جزيرة "لسبوس" اليونانية، ومن ثم قطعت الأختان رحلة برية طويلة للنمسا، ومنها إلى ألمانيا، حتى أنقذت نفسها ومن معها في القارب.

قل لي فيمَ تختلف هذه القصة عن فيلمنا الذي نتحدث عنه؟.. لا شيء.. ربما بعض اختلاف في التفاصيل مع الاحتفاظ بحجم الخطر الذي يواجهونه، حتى إن قصة الفيلم خيال علمي، أما "يسرا" فهي نموذج واقعي لشعب خذلناه جميعاً، وأظن أن "يسرا" عندما غرق قاربها لم تكن تفكر أساساً بأنها ستنجو، ويتحاكى العالم كله بقصتها، ومع ذلك فهي فعلت المستحيل لتنجو.. أعتقد أن خبرتها في السباحة ليست فقط مَن أهّلتها وقتها للنجاة على قدر إيمانها بأن كل هذا سيمر.

ليس هدفي من المقال هو إلقاء محاضرة تنمية بشرية سخيفة أو دعاية لفيلم من أكثر الأفلام اكتئاباً التي صنعتها هوليوود، ولا حتى لعب دور الحكيمة العالمة ببواطن الأمور، ولكنه تذكرة لنفسي وإياكم بالرسالة الربانية التي يحجبها الاكتئاب عنا: "وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.