المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفيق بلقاسم Headshot

إنما الأعمال بالنيات.. الثورة نموذجاً

تم النشر: تم التحديث:

أن تُوقِفَ المَشهَد لأنك لم تتمالك نفسك من الضحك فهذا أمرٌ واردٌ جداً، ولكن أن توقفه لتبحث عن جوابٍ لسؤالٍ طُرِحَ خلال المَشهَد، وعَكَّر مزاجك فجأةً، فيبدو ذلك غريباً بعض الشيء.

أن يمر عليك شريط ما يسمى بثورات الربيع العربي، شرارات بداياتها، كرونولوجية مسارها، وما آلت إليه اليوم، وأن يمر عليك شريط ثورات أخرى، تسمى تحررية، تَخُصُّ بالذكرى ثورة بلدك (الجزائر)، تجعل من ذلك السؤال شرارةً للتدبر في شأنها، تحاول المقارنة، لا بين الأوضاع الحالية وما كانت عليه أثناء الاحتلال كما يحاول البعض التمجيد، ولا بين الأوضاع الحالية وما كانت عليه قبل الاحتلال، كما يحاول البعض التضليل، بل المقارنة بين الوضع الحالي والوضع الذي "يجب أن تكونه" بعد أن تقوم بثورة بمعناها النظري.

والبداية، وقبل كل هذا، أن تسأل نفسك نفس السؤال الذي طَرحه عادل إمام في مسرحية الزعيم: لماذا قمنا بالثورة؟!

للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من العودة إلى البداية، يوم كانت الثورة -أي ثورة - كانت فكرة في رأس مُفَجّريهَا، يوم بدأت الفكرة بِنِيَّة!
أي نعم؛ لأن الثورة كأي عمل آخر يَصدُقُ فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الأعمال بالنِّيَّاتِ.." وإنما لكل ثائر ما نوى.

لا بد أن هنالك دوافع عِدة دفعت بمن قاموا بالثورة، من قادها مُبَادِراً.. ومن شارك فيها بأي صفة من الصفات، وبأي شكل من الأشكال.

هناك من آمن بالثورة إيماناً قد يكون إيماناً فَاعِلاً، مُنَشِطاً كمشروب طاقة كما يقول الدكتور أحمد خيري العمري، وقد يكون إيماناً مثَّبِطاً، مخدراً كجرعة أفيون، وهناك من آمن بها -ويا للمفارقة!- نِفَاقاً.

هناك من توجس منها خيفة، كما يحدث مع كل أمر مُسْتَحدَث، وكما يحدث مع كل مُسْتَحدَث أيضاً، هناك من رأى فيها فرصة، فسولت له نفسه فيها أمراً.

هناك من ثار عن قناعة، هناك من سار مع التيار، وهناك من قطع عن الثورة التيار.

هناك من ثار دِفَاعاً عن وطنٍ لا يملك فيه شيئاً، هناك من ثار دفاعاً عما يملك -وعن الوطن كتحصيل حاصل- هناك من ثار دفعاً عن أملاكه و"طز في الوطن".. وهناك من لا يملك شيئاً، فثار ليملك الوطن.

هناك من أعلن ثورته بخطة واحدة "إلى الأمام، لا تراجع ولا استسلام"، هناك من فكر في خطة بديلة "ب".. وهناك من أَتم الهجاء.

هناك من ثار من أجل التحرير، وهناك دوماً ذلك الانتهازي الساذج، من يثور فقط؛ ليلبس الحرير.

هناك من ثار لِيُخْرِجَ مُسْتَعْمِراً ما، لِيُسْقِطَ طَاغيةً ما، وهناك من ثار على أحدهما، أو كِليهما ليخلفهما.

هناك من استقوى على الاستعمار بشعبه، وهناك العكس النقيض، من استقوى بالاستعمار على شعبه.
هناك من حمل البندقية، من حمل القلم، من حمل فكرة، مات بسببها، أو ربما ما زال يعاني بسببها إلى اليوم، وهناك من دخل بديلاً في الدقيقة التسعين، فاكتفى بحمل اسم -ما- ما زال يَنْعَمُ بامتيازاته إلى اليوم.

هناك "شهيد مجهول" كان في الثورة، هناك "ثائر مجاهد" لم يكن فيها قط.. وهناك من وُلِدَ وتَكَوَّنَ في الثورة، ليتساءل بعدها: لماذا قمنا بالثورة؟!

وهناك أنا، من أجاب بعد كل هذا التفكير، نفس إجابة عادل إمام في مشهد المسرحية: أنا لا أعلم لماذا قمنا بالثورة.

مستخلص:

في الفصل الثاني من كتابه "عصا الحكيم"، يتخيل الحكيم توفيق وعَصَاه، أن لهما جهاز اتصال يُمكن لهما الاتصال بأي شخصية في العالم الآخر (الآخرة)، فَيُجرِياَن - تخيلياً - حوارات مع شخصيات كثيرة، كحواء، هتلر، جان دارك.. وغيرهم.

لو أن لنا بجهاز مماثل، لكانت لنا إجابات مُقنِعة -وصادقة- لذلك التساؤل، وأسئلة أخرى كثيرة ومُلِّحة.
على الأقل، حتى نستخلص من ثوراتنا السابقة دروساً لثورات "قد تكون قادمة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.