المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفاه عثمان العياش Headshot

عيد الحب

تم النشر: تم التحديث:

في كل عامٍ يتجدّد الخلاف حول عيد الحب، وينقسم الناس إلى مع أو ضد: ضد لأنه عيد ارتبط بالقديس فالانتين الذي أُعدم على يد الإمبراطور كلوديوس؛ لأنه رفض التخلي عن ديانته المسيحية والدخول في الديانة الوثنية؛ لذلك فهو من تقاليد المسيحية ولا علاقة للإسلام به، لكن وإن صحت هذه الرواية فإن فيها من العبرة ما يكفي، ألا وهي أن الدين يفدى بالروح.

وإذا فكرنا بمن معه ولا يعتبرونه خروجاً عن الدين، وعدنا إلى منهج ديننا الإسلامي الذي لم يدعُ للحب يوماً واحداً في السنة، وإنما دعانا إليه في كل وقت، وخلَّد لنا أمثلة تصلح أن تكون منهج حياة تعلمنا الحب في أسمى صوره، فالرسول الكريم قدوتنا حين قال: (لا تؤذوني في عائشة)، علّم رجال الأرض كيف عليهم أن يعاملوا زوجاتهم بكل حب، وأن أي أذى لهن فيه أذى لهم.

وعندما أكرم الله الصدّيق بصحبته في الدنيا والآخرة، حين قال: (شرب النبي حتى ارتويت)، أين نحن من هذا الحب؟!
وأما عن حب الأوطان، فقال أجمل ما قيل في هذا المقال عن حب مكة: (والله، إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت) صححه الألباني.

لوجدنا أنه في كل خطوة خطاها -عليه الصلاة والسلام- أهدانا وصفةً للحب وأعظمها حين بكى يوماً، فقالوا: ما يبكيك يا رسول اللّه؟ قال: اشتقت لأحبابي، قالوا: أولسنا أحبابك يا رسول الله؟ قال: (لا أنتم أصحابي، أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني).

هذه بعض نماذج الحب في ديننا، فإن كانت الشعوب تحتفل به يوماً في السنة علينا أن نحتفل به كل يوم، ونحن في زمانٍ عزّ فيه الحب، وتفشّت البغضاء بين الناس، قست القلوب وتحجّرت، فما أحوجنا للرجوع إلى الحب في أسمى صوره، وتطبيقها في أصغر تفاصيل حياتنا، لعل بالحب تُطفأ نيران الحروب، ويعمّ السلام المنشود الذي عجزت دول عن إرساء سفنه في شواطئنا.

لكن لا ضرورة أن يكون اللون الأحمر رمزه، فالعين ملّت من حمرة الدماء التي شربتها الأرض واكتفت، ويذكّر كل أم بشهيدها، وحاشا مثلها أن تغفو عن جرحها، أو تبرد عن ثأرها؛ لذلك نبتعد عنه لتهدأ نيران القلوب أو تأخذ هدنة، والنظر اشتاق للأخضر أن يُورق في ساحاتنا بعدما يبست أشجار بلادنا، تماماً كما يبست أشجار أعمارنا في غيابنَا، ولا ضير إن رمزنا له بالأبيض، لون الياسمين الذي بقي صامداً نقياً رغم أيدي العابثين الحاقدين.

إن لم نبدأ بدواخلنا، ونصلح ما أفسده الدهر وشوّهته الحرب في نفوسنا، لن نفلح في إصلاح أوطاننا التي بعد كل ما حدث فيها وجدنا أن لا شيء سواها يستحق الحب، ولم ترضنا البدائل عنها، ولم نستطع حتى أن نطبع على جبين مدينة سواها قبلة؛ لذلك اليوم نحن بأمسّ الحاجة للحب في أدق تفاصيل حياتنا.

علينا أن نبدأ اليوم من قلوبنا، وغداً من حدودنا، نحن المكلفون بجهاد الفرح، وهو فرض عين على كل عربي، على وجه العموم، وسوري على وجه الخصوص.

علينا أن نحمي خيال الفرح، ونزخرف طيف الحب؛ لنعود محمّلين بالفرح، مُتخمين بالحب ونسكبهما على أرضٍ فيها الحب وُلد واستُشهد، نُحييه من جديد؛ لأنه لا يليق بأرضٍ سواها، ونبدأ بإعمار بلادنا نبضةً نبضةً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.