المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رائد محمد عوض قدورة Headshot

الشبابُ وثقافةُ التّغيير

تم النشر: تم التحديث:

في خضمّ التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده عالم القرن الحادي وعشرين وما نتج عنه من ابتكارٍ لوسائل الإعلام الاجتماعي الحديث مثل الفيسبوك وتويتر وأخواتهما، تجد الشباب قد نضجوا فكرياً واجتماعياً وإعلامياً قبل نضوجهم جسدياً وفسيولوجياً.

إذا نظرنا للعالم بكل مكوناته وفئاته وأفراده الذين تجاوز عددهم السبعة مليارات نسمة، تجد أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين (12-18) عاماً يتخطون حاجز المليار نسمة ويعيش رُبع سُكان العالم من فئة الشباب على دخلٍ يومي لا يتجاوز دولاراً واحداً فقط حسب إحصائية رسمية للأمم المتحدة.

بالانتقال إلى الشباب العربي، ذكرت إحصائية رسمية صادرة عن الأمم المتحدة عام 2009 بأن الشباب الذين يتراوح أعمارهم ما بين (15-29) عاماً يمثلون ما نسبته 60% من عدد السكان في الوطن العربي أي ما تعداده حوالي 113 مليون شخص.

إن النسبة المذكورة أعلاه هي تأكيد على أن الشباب هم مُحرك وعصب هذه الأمة وأنهم من يُحدّدون خارطة الطريق المستقبلية لشعوبهم، لكن تبقى أساليب القمع والاستبداد وتكميم الأفواه والقتل حواجز تمنع هؤلاء الشباب من إظهار القدرة على التعبير والمقدرة على التغيير، وهو الأمر الذي أشعل فتيل ثورات الربيع العربي في دول عربية عديدة مثل مصر وتونس وليبيا وغيرها، لكن سرعان ما قُوبلت بعض هذه الثورات بثورات أخرى مضادة أثرت على مسيرة التغيير وترميم نظام الحكم السابق بقالبٍ جديد.

بالوصول إلى الحديث عن الشباب الفلسطيني، ذكرت إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في العام 2012 بأن نسبة الشباب ما بين (15-29) عاماً وصلت إلى 30% من إجمالي السكان البالغين حوالي 4.5 ملايين نسمة، وأن نسبة الشباب ما بين (20-29) عاماً يمثلون حوالي 62% من عدد السكان، وهو أمرٌ يؤكد على أن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتيّ سواده الأعظم من الشباب.

بعد استعراض الحقائق السابقة، أود القول بأن الشباب يمتلكون طاقات إبداعية وفكرية واجتماعية وثقافية كبيرة مما يؤهلهم للقيادة وحمل الراية لا سيما عندما نتحدث عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- والذي ولّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- قيادة جيش المسلمين المتجه لغزو الروم وكان حينها يبلغ من العمر 18 عاماً فقط. وحديثاً، هناك نموذج اشتُهر مؤخراً وهو تنصيب سيباستيان كورس وزيراً للخارجية في النمسا وهو لم يتجاوز الـ27 عاماً وهو قرار جاء بعد حكمة لأننا نتحدث عن منصب وزير خارجية لبلدٍ ما وهو منصبٌ حساس مقارنة بغيره من المناصب.

التاريخ الإسلامي حافلٌ بمشاهير وقادة وزعماء شباب قادوا جذوة التغيير وتبنّوا فكر النهضة علمياً وعملياً. يستوقفني أحدهم ويقول لي: كيف تُقارن زمن النبي وأصحابه بهذا الزمن الذي يهيمُ بالويلات والنكبات والمصائب؟ أود القول لك يا سيدي بأن المقارنة في هذا الباب غير جائزة وليس فيهما أدنى وجه للتشبيه أو الاستعارة، لكن إلى متى سيبقى همُّ شبابنا زيادة عدد الأصدقاء في فيسبوك أو المتابعين على تويتر أو إحراز أعلى النقاط في لعبة كاندي كراش أو المزرعة السعيدة وغيرها؟ لا يُقلّل أحدنا من قيمة الشباب ولكن هي حقائق على الأرض يلمسُها الجميع..

لا يجب أن ننتظر الرُقي بأنفسنا أو تحسين ذواتنا ونحن نعيش في حالة الخوف من التفوق على الغرب. عندما وقعت التفاحة على رأس نيوتن سأل نفسه سؤالاً: لماذا وقعت التفاحة؟ وعندها اكتشف قانون الجاذبية. على النقيض تماماً، فعندما وقعت التفاحة قال العربُ: وقعت تفاحة!

إن الحكومات والقيادات تتخوف من إسناد المهام والوظائف لشبابها خوفاً من انزلاق الدولة نحو حاوية المطامع والتناطح بين الشباب أنفسهم. فالبعض به صفات الطمع أوالجشع أوالغيرة أوالحقد أوالكره وغيرها .. وهي موجودة بين بني البشر بدون استثناء إلا من رحم ربُّنا. لكن في المقابل، يمكن العمل جنباً إلى جنب مع هؤلاء إن تمّ توفير مكتسبات الحكم والإدارة لهم ومنحهم فرصة بدون معيقات وتعيينهم على مقدرات هذه الأمة.

ختاماً، أود القول بأن أمتنا قد عاشت عقوداً طويلة وهي ترى الأشخاص أنفسهم في ذات المنصب والمقعد حفاظاً منهم على تسلسل العملية الديكتاتورية القمعية والهمجية بدون إعطاء الغير أدنى فرصة للمحاولة أو العمل على التغيير.
آن الآوان لتُسلموا دفّة القيادة والحكم لدماءٍ جديدة يكون عنوانها "شباب اليوم هم قادة الغد".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.