المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. رائد فتحي  Headshot

ماذا لو أفلَسَتِ العِراقُ؟

تم النشر: تم التحديث:

في عالَمٍ مُتَعَدّدِ الثّقافاتِ والحَضاراتِ والتّحالُفاتِ، تَخوضُ الدّولُ الكثيرَ من المَعارِكِ من أجلِ إثباتِ خُصوصيّتها وبِقائها في الفَضاءِ الإنسانيِّ، بالإضافَةِ إلى المُنافَسَةِ على مُستوى الحُضورِ الإنسانيِّ، ولَيسَت المَعارِكُ العَسكريّةُ هي الوَحيدَةُ التي تَخوضُها الدّولُ السّياديّةُ، إذ إنّ الدّولَ ذاتَ السّيادَةِ الكامِلَةِ غيرِ المَنقوصَةِ، تَخوضُ مَعارِكَ ثَقافيَّةً، وذلِكَ مِن خِلالِ مُحاولَتِها فَرضَ قِيَمِها الثّقافيّةِ والحَضاريّةِ وقَد كانَت هذه أهمّ مَعارِكِ الاستِعمار على الأرضِ المُستَعمَرَةِ، وقَد نَجَحَ في ذلِكَ إلى مدىً بعيدٍ، حتّى كَتَبَ الأستاذُ مالكُ بن نبي (رحمه الله) كِتابَهُ (القابليّةُ للاستِعمار). وتَستَمِرُّ هذه المَعارِكُ في عَصرِ العَولَمَةِ، بَعيدًا عَن السّيطَرَةِ المادّيّةِ على الأرضِ، حيثُ صارَ العَقلُ العامُّ نَهبًا لِصاغَةِ الخَبرِ والمَعلومَةِ وصُنّاعِ العُقولِ.

وَمِنَ المَعاركِ الّتي تَخوضُها الدّولُ السّياديّةُ؛ المَعارِكُ الاقتِصاديَّةُ، إذ لا يُنكِرُ أحدٌ أنَّ الحَربَ العَسكريّةَ لَم تُسقِطْ (مُوسكو)، لِكنّ الحَربَ الاقتِصاديَّةَ قَد أسقَطَت الاتّحادَ السُّوفيتيّ بِرُمّتِهِ، بل وكامِل حِلف وارسو.

وهذا المَنهَج هو الّذي لجأت إليه الدّولُ الغربيّةُ بعدَ تَجربة الحَربِ البارِدَةِ، وهذا ما يَجعَلُ الصّينَ في مرمى صانِعِ القرارِ السّياسيِّ الغربيِّ، لأنّ تمَدُّدها العَسكريِّ صاحَبهُ تَمَدُّدٌ اقتِصاديٌّ، الأمر الّذي جَعلَ سُلطانَها السّياديَّ يَمتَدُّ ليَطالَ الكثيرَ من المناطِقِ في العالَمِ.

وحَتّى لا يَطّرِدَ بيَ الكلامُ عَن مَركَزِهِ، فإنّني أوجّهُكَ -أيُّها القارئُ اللّبيبُ- إلى العِراق، فلا شَكَّ أنَّ العِراقَ دَولَةٌ مِحوريّةٌ في أي صِياغَةٍ للمَنطِقَةِ العربيّةِ، بل مَنطِقَةِ الشرقِ الأوسَطِ ووسَطِ آسيا برُمّتِها. وذلِكَ لمَكانَتِها الجيو-تاريخيّةِ بالإضافَةِ إلى ما تَملِكُهُ من موادّ خامّ، الماءِ الوفيرِ، والحُدودِ الاستراتيجيّةِ، إذ لها حُدودٌ مع كُلّ الدّولِ الكُبرى في المَنطِقَةِ: (السُّعوديّة، تُركيا، إيران وسُوريا بالإضافَةِ إلى حدودِها المائيّةِ على الخليجِ العربيِّ.).

وكَمُداخَلَةٍ للمَخاطِرِ الاقتِصاديَّةِ الّتي تَعصِفُ بالعِراقِ، فإنّه لا بُدَّ من التّأكيدِ على أنّه لا يُوجَدُ دَولَةٌ هي بمنأى عَنِ الهزّاتِ الماليَّةِ، وما الأزمةُ الماليّةُ الّتي عَصَفَت بأسواقِ الدّولِ الكُبرى (2008) إلا خيرُ شاهِدٍ ودَليلٍ، إلا إنَّ الدّولَ تَحتاطُ لسياسَتِها الاقتِصاديَّةِ عَبرَ قراراتٍ سياديّةٍ صادِرَةٍ عَن البَنكِ المَركزيِّ والهيئاتِ السّياسيّةِ الأُخرى ذاتِ الاتّصالِ، وليسَ الاحتِفاظُ بالّذهبِ والعِملةِ الخارجيّةِ، إلا أحدَ هذه الأدواتِ. فقد طوّرتِ الدّولُ قوائِمَ لِمَنتوجاتٍ سيَاديّةٍ تَرى هذه الدّولُ أنّه يَجِبُ بِذلُ الغالي والرّخيص في سَبيلِ الإبقاءِ عليها، حِفاظًا على الاستِقلالِ الاقتِصاديِّ.

في حالَةِ العِراقِ، فإنَّ الوَضعيّةَ الهَشَّةَ الّتي يَعيشُها هذا القُطر المُسلِمِ تَجعَلُ مِنهُ مُهتَزًّا ومِن اقتِصادِهِ عُرضَةً للانهيارِ، وهذه أهمُّ الأسبابِ الّتي يُسعِفُني قِصرُ المَقالِ بِذِكرِها:

الاضطِرابُ السّياسيُّ الّذي تَعيشُهُ العِراقُ، فإنّ العراقَ اليومَ تَعيشُ حالَةً من التّناقُضِ بينَ ادّعاءِ الدّيمُقراطيّةِ كِنظام ناسِجٍ للعلاقَةِ بينَ مُرَكّباتِ الشّعبِ العراقيِّ، مع أنَّ الكثيرينَ - وعلى رأسِهم السُّنّة- يَرونَ أنّه نِظامٌ دِكتاتوريٌّ بِعباءَةٍ دِيمُقراطيّةٍ.

لا مَركَزيّةُ القَرارِ السّياديّ؛ فبالرّغمِ من أنَّ السّاسَةَ العراقيينَ يُؤكّدونَ مِرارًا وتِكرارًا على وِحدَةِ أراضي العِراقِ، إلا أنَّ الأمرَ لَيسَ كذلكَ، فالأكرادُ في كُردستانِ العراق يُمارِسونَ السّيادَةَ شِبهَ الكامِلَةِ على الإقليمِ، كما أنَّ أغلَب المُقاطَعاتِ السُّنّيةِ السّبع تَكادُ تَكونُ خارِجِةً عَن سُلطانِ بَغدادَ، بالإضافَةِ إلى أنّ الجَيشَ العراقيَّ يَرى نَفسَهُ حاميًا لِبَغدادَ والعَتباتِ الشّيعيّةِ أكثَرَ من شمالِ وغَربِ العِراق. وعلى ذلِكَ، فالمُشتَركونَ في صِناعَةِ القرارِ السّياديّ حقيقَةً لا قَولاً، هم كثيرون منهم: الدّولة، الأكرادُ، الميليشيات الشّيعيّةِ، والمراجِعِ الشّيعيّة، القبائل، تنظيمُ الدّولَة، والتّحالُفِ الغربيِّ.

تَراجُع الاقتِصادِ العِراقيِّ: وذلِكَ بِسَبَبِ تراجُعِ إنتاجِ النّفطِ، بل وتراجُعِ السّيطَرَةِ عليهِ، ناهيكَ بتراجُعِ أسعارِهِ في السُّوقِ العالميّةِ، وأمّا عن السّياحَةِ والسّياحَةِ التَعليميّةِ فلَم تَعُد قائِمَةً في العِراقِ، إلا بَقايا من السّياحَةِ الدّينيّةِ الّتي يَقومُ بِها بَعضُ الشّيعَةِ من إيرانَ وبَعضِ دولِ الخليج.

تَراجُع الأمنِ، الأمرِ الّذي أدى إلى فِرار الكثير من الإستِثماراتِ الدّاخِليّةِ للخارِجِ، وتوقُّف الاستِثمارِ الخارجيِّ عن التّهافُتِ على بَغدادَ بَينما تتهافَتُ الاستِثماراتُ على إقليمِ كُردِستانِ.

الترهُّلِ الإداريِّ في مَفاصِلِ الدّولة: فَإنَّ انقِسامَ العِراقَ إلى فُسيفٍاءَ عِرقيّةً وطائِفيّةً أدّى إلى أن يَكونَ الإنسانُ غيرُ المناسِبِ في المَكانِ غيرِ المُناسِبِ، وذلِكَ مُراعاةً لِهذه الحَساسيّات، هذا فَضلاً عن الاختِلافاتِ السّياسيّةِ والحادّةِ، والاستِقطاب الّذي يَصِلُ حدّ التّدابُرِ بينَ أبناءِ العِرقِ الواحِدِ أو الطّائِفَةِ الواحِدَةِ.

شُعور الأكراد بالاستِقلاِل، وتَقديمِهم مَصلَحَةَ الإقليمِ على مَصلَحَةِ الوطَنِ الكَبير، وكذا هو الحالُ معَ الكثيرِ من قِطاعاتِ الشّعبِ العراقيِّ.

يَقَظَةُ "تنظيم الدّولة" لهذا الأمر، وإصدارهِ عِملَةً خاصّةً بِهِ (الدّينار الذّهبيّ)، الأمر الّذي قَد يُهدّد بِطريقَةٍ ما الدّينارَ العِراقيَّ.

ماذا لو انهارَ الاقتِصادُ العِراقيُّ؟!
قَد يرَى البَعضُ أنَّ في هذا السُّؤالِ مُبالَغَةً، وعلّمتنا عُلوم التّخطيطِ الاستراتيجيِّ، أنَّ كُلَّ ما لَهُ احتمالُ وقوعٍ فلا بُدَّ من إجاباتٍ وخُطَطٍ له جاهزَةً في الدُرجِ، وذلِكَ بَعيدًا عَن العواطِفِ والأُمنياتِ. والسُّؤالُ هُنا: ما هيَ السّيناريوهات المُتوقّعَةُ غداةَ انهيارِ الاقتِصادِ العراقيِّ؟!

وللإجابَةِ على هذا السُّؤالِ، لا بُدَّ من مُراجَعَةِ أصحابِ القرارِ والتأثيرِ في السّاحَةِ السّياسيّةِ العِراقيّةِ.

العربُ: ليسَ للعَربِ - السُّنّةِ مِنهم- تأثيرٌ حقيقيٌّ على العِراقِ وسياسَتِهِ الكُبرى سيّما في الجانِبِ الاقتِصاديِّ، فقد زَهُدَ العَربُ في العِراقِ وروافِدِها، وقبِلوا أن يَكونوا رَهنًا لِتَصريحاتٍ هُنا وهُناكَ، بِناءً عليها تمّت مُقاطَعَةً العِراقِ، الأمرِ الّذي فرّغَ العِراقَ من التأثيرِ العربيِّ، فالسّعوديّة والإماراتِ بل وقَطر بالرّغم من امتِدادِ تأثيرِها على كثيرٍ من دولِ المَنطِقَةِ إلا إنّ تأثيرَها في العِراقِ يَبدو باهِتًا. بينما تَستَفيدُ إيرانُ من هذا الغيابِ العربيِّ، وتُحاوِلُ تُركيا كذلِكَ أن تَجِدَ لَها مَوطِئ قَدَمٍ في هذه التّلاطُماتِ، وعليهِ، فَيَبدو أنّ العربَ سيَكونونَ خارِجَ المُعادَلَةِ في تِلكَ المَرحَلَةِ.

إيرانُ: يَبدو أنَّ إيرانَ سَتَكونُ أكبرَ المُتأثّرينَ -سلبًا وإيجابًا- بِمِثلِ هذا الانهيارِ، أمّا من ناحِيَةِ المَصالِحِ، فإنّ إيرانَ سَتَجِدُ أنَّ العِراقَ مَنهارَةً وأنّها بِحاجَةٍ لِمَن يَمُدُّ لها يَدَهُ، وعِنَدَها يُمكِنُ التّأثيرُ على توجيهِ الحياةِ العِراقيّةِ بأقلِّ الأثمانِ، بل رُبّما يتمُّ تَسريبُ الكثير من الأموال والمَشاريعِ الصّناعيّةِ و التّجاريّةِ - هذا إن بقيت مشاريع تِجاريّة- إلى إيران. وسَتَفرِضُ إيرانُ نَفسَها كَدولَةٍ سياديّةٍ في المَنطِقَةِ، لأنَّ أي مُناقَشَةٍ لموضوعِ العِراقِ في الأروِقَةِ الإقليميّةِ أو حَتّى الدّوليّةِ، سيَكونُ مَرهونًا بالقرارِ الإيرانيِّ إلى حَدٍّ بَعيدٍ.

الأكرادُ: إنّ انهيارَ الدّينار العِراقيّ، والاقتِصادِ العِراقيِّ، سيَكونُ رَصاصَةَ الرّحمَةِ في جَسَدِ هذه الوِحدَةِ ما بينَ بَغدادَ وإقليم كُردِستان، وعِندَها ستُعلِنُ كُردستانَ سياساتٍ اقتِصاديّةً مُستَقلِةً، الأمر الّذي يَعني بِطريقَةٍ أو بأُخرى استِقلالاً كامِلاً عن الوطن العراقيّ، سيّما إذا كانَت السُّلطة السّياديّة قد انهارَت أو فَقَدت سَيطَرَتها على مَفاصِلِ الدّولةِ كأقلِّ تَقديرٍ.

تَنظيمُ الدّولَةِ: قَد يَبدو تَنظيمُ الدّولَةِ هو الأكثَرُ استِفادَةً في مِثلِ هذا السّيناريو، وذلِكَ لأنّ عُملَتَهُ سَتَكونُ الوحيدَةَ الموثوق بِها، وذلِكَ لأنّها تَحمِلُ قِيمَةً ماليَّةً من حيثُ هيَ، بِمَعنى أنّ قِيمَتها الكماليَّةَ، وإن كانَت مُرتَبِطَةً بِمَدى سُلطانِ التّنظيمِ، إلا إنّها -مع ذلِكَ- تَحمِلُ قيمَةً ماليّةً من حيثُ كَونَها ذهبًا، وبِذلِكَ سيتهافَتُ النّاسُ عليها، الأمرِ الّذي سيَجعَلُ التّنظيمَ قادِرًا على تَحصيلِ الكثيرِ من حاجاتِهِ سيّما في مَجالي التّقنيّاتِ والعَسكريّاتِ.

وأظُنُّ أنَّ الصّراعَ وقتذاكَ سَيَنحَصِرُ بينَ هذه الأضلاعِ الثّلاثة، حيثُ سينقَسِمُ الشّعبُ العراقيُّ بينها، فالأكرادُ مع الأكرادِ، وقسمٌ غيرُ قليلٍ من مُقاطعاتِ الغربِ السُّنيّةِ مع التّنظيمِ والباقي مع القيادَةِ العِراقيّةِ والقوّاتِ الإيرانيَّةِ الّتي سَتَتجوّلُ علَنًا في العِراقِ.

من المُستَفيدُ
من الصّعبِ أن نَجزِمَ بالإشارَةِ إلى المُستفيدِ، لكنّنا بالتأكيدِ يُمكِنُنا أنْ نُشيرَ إلى الخاسِرِ الأوّلِ وهو العِراقُ -الوَطَنُ الكبيرُ- فمنذُ عام 2003 أعطيتُ محاضَرَةً في جامِعَةٍ حيفا، قُلتُ فيها، لكُلِّ إنسانٍ وطَنانِ، وطَنُهُ الّذي وُلِدَ بِهِ، ووطَنُهُ الآخَرُ في العِراقِ. ولا شَكَّ أنَّ حَدَثًا بِهذا الحَجم سَيُعيدُ صِياغَةَ المَنطِقَةِ بِرُمّتِها من جَديدٍ، بل وحَتّى التّحالُفاتِ في المَنطِقَةِ، حيثُ سيضطرُ العربُ للتّحالُفِ مع أحدِ هذه المُركّباتِ الثّلاثة، وهي ثلاثَةٌ أحلاها مُرُّ بالعيونِ العربيِّة. كما أنّه إذا كانت تقاريرُ المُخابراتِ الغربيَّةِ تؤكّدُ أنّ القَضاءَ على تنظيمِ الدّولَةِ سيَحتاجُ إلى أجيالٍ، فإنّه في مِثلِ هذه الحالاتِ سيَحتاجُ إلى أجيالَ مُتعاقِبَةٍ.

وما المَطلوبُ
المَطلوبُ من كُلِّ مَن يُؤمِنُ بِمَشروعٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ سِياديٍّ أن يَنظُرَ للمَنطِقَةِ على أنّها سَفينَةٌ واحِدَةٌ سائرَةٌ، وبالرّغمِ من تَغليبِ المَصالِحِ الوَطَنيّةِ، إلا إنّه لا يُمكِنُ تَجاهُلُ مَصلَحَةَ المَنطِقَةِ بِرُمّتِها، وأنّ الكثيرَ من التّحالُفاتِ الّتي تَبدو اليَومَ مُستَحيلَةً، لا بُدّ من إعادَةِ النّظَرِ فيها وذلِكَ لأنّ الضّررَ الأكبَرَ يُدفَعُ بالضّررِ الأصغَرِ، ولأنّ السّياسَةَ في النّهايَةِ هي فنُّ المُمكِن، وعلى العَربِ أنْ يَعرِفوا أنَّ ما يَنتَظِرُ المَنطِقَةَ أكبرُ بِكَثيرٍ من تَغريدَةٍ على التويتر أو الفيسبوك.