المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رائد السمهوري‎ Headshot

لماذا أكتب؟

تم النشر: تم التحديث:

تجاوز الوقت الساعةَ الواحدة بعد منتصف الليل، وإذا برسالة على تويتر من أحد الأساتذة المشرفين على موقع إيوان يسألني فيها ما إذا كنت قد أرسلت مقالتي أم لا. كنت قد نسيت أن أرسل بالمقالة، بل نسيت كتابتها أصلاً، وهذا عيب من عيوبي، إذ أنا أغفل كثيرًا وأنسى كثيرًا. لو كنت ذا مال لعيّنتُ من يذكّرني بما يجب عليّ فعله مما أغفل عنه لا بسبب كثرة الأشغال، فما يومي إلا كسائر أيام الموظفين والغلابا من أصحاب الدوامات، متوزعًا بين عمل ونوم ومشاغل الحياة اليوميّة بتفاصيلها المملّة، بل بسبب الغفلة والنسيان.

حين وردتني الرسالة من الأستاذ المشرف - جزاه الله خيرًا على حرصه - كنت أتكاتب مع أحد أصدقاء الروح، ممن يضع - ببساطة - المرآة أمام قلبي فيكشف لي - من حيث لا يقصد - بعض صفاتي التي أحتاج حقًا إلى مراجعتها؛ لولا انشغالي عن أعماق نفسي بما هو خارج عنها، مما لا يستحق ما تستحقه ولا يستوجب ما تستوجبه هي من إصلاح ومراجعة وتقويم.

سألني هذا الصديق الكريم: ما الشيء الذي تحسّ أنك متعلق به؟ فأجبت: أن أعمل عملاً عظيمًا ينفع الناس، سألني: وما مرادك من ذلك؟ نفع الناس بما هو نفع الناس على وجه الخصوص؟ أم أن لك حظًا في أن يكون اسمك معروفًا، ويكون لك شهرة، وصيت ذائع؟

صمتّ! حاولتْ نفسي الأمّارة بالسوء أن تلتفّ وتروغ كما يروغ الثعلب. وأردت أن أقول: لا، بل أريد أن أعمل ما يرضي الله وينفع الناس فقط، ثم فاجأني سؤال: أفترضى إذن أن تذيّل مقالاتك باسم مستعار؟ فكان الجواب: كلا طبعًا! ، بدا الأمر لي مختلطًا؛ فأنا أعلم من نفسي، أو على الأقل يغلب على ظنّي - فالله أعلم بنفسي منّي ولا أظنني أعلم نفسي على التحقيق - أني أكتب ما أنا مقتنع به، أقطع فيما أرى أنه يستحق القطع، وأظن ولا أحقق فيما أرى أنه يستحق الظنّ، وأحاول أن أتجرد للحق، لكني مع هذا - ككل كاتب - أحب أن يقرأ الناس مقالاتي، وأحب أن يثنى عليها بالخير، وأحب أن أرى أنها نالت إعجاب القرّاء، وأحب أن تنتشر ويقبل عليها الناس. وهذا - بلا شك - فيه شيء من حظ النفس.

أجبت صديقي الذي كان ينتظر إجابتي: أشكرك على سؤالك فقد وضع المرآة أمام قلبي، وبدا لي أن في نيّتي دخلاً، وأن لنفسي مما أكتب حظًا - وإن كنت حريصًا فيه على قول الحق إن شاء الله -. ولم يقصّر - جزاه الله خيرًا - في نقل كلام العلماء عن وجوب الإخلاص، ومجاهدة النفس لتحقيقه، وأرشدني إلى ما ينفعني.

رددت على مشرف الموقع أني نسيت المقالة وسأكتبها إن أذن لي بذلك، فأذن مشكورًا، وأخذت أفكّر في أكثر من موضوع للكتابة عنه، فخطر لي أن أسجل ما جرى في مقالة تصنّف في المقالات الذاتيّة، إن صحّ أن غيرها مما كتبته من مقالات في الفكر وفي التراث هي مقالات موضوعية!

وأثناء تفكيري وانشغال ذهني بما سأكتبه؛ خطر لي أن الشيخ علي الطنطاوي في الذكريات أو غيرها من كتبه طرح على نفسه هذا السؤال حول: لماذا يكتب؟ وكان مما قاله - حسب ذاكرتي المهترئة - إنه لو عرض عليه ملايين ليكتب غير ما هو مقتنع به أكان سيكتبه؟ وكان جوابه قاطعًا أنه ما كان ليفعل ذلك.

وقبل علي الطنطاوي تساءل الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر عن الأمر نفسه، ولكن لا وقت لديّ لآتي بالنص؛ فالموقع ينتظر مني إرسال المقالة!

أن تتصدّر بعض التصدّر فتكتب للناس ما تظن أنه نافع ومفيد؛ يعرضك لصراع حقيقي مع ذاتك، ما غرضك من التصدّر أصلاً؟ لكن ما الحلّ؟ الانزواء والاعتزال؟ ترك الأمر برمّته، والاندفان في تربة (الخمول) كما قال مولانا ابن عطاء الله السكندري إلى الأبد؟!

وماذا تفعل فيما ترى أن عليك أن توضحه للقراء؟ تكتمه في صدرك؟ تخبئه وأنت مأمور بفعل الخير؟ صراع مع الذات فعلاً! ثم كأنني اهتديت إلى صيغة للتصالح مع نفسي: اكتب، وبيّن، وناقش وجادل، وادخل المعترك، وحاول جاهدًا أن يكون عملك مخلصًا لله، ولا ضير في بعض المباحات ما دامت لا تجعلك كذوبًا مخادعًا مخاتلاً مروجًا للأباطيل والأكاذيب.

ذهب من العمر ثلثاه، وبقي الثلث، والله تعالى أسأل أن يوفق فيما بقي أن نكون إلى الله أقرب، وبالحق ألصق، سئل أحد الصالحين وكان على فراش الموت: أوصني، فقال كلمة واحدة: الإخلاص الإخلاص! اللهم اجعلنا من المخلصين. آمين.

هذه التدوينة نشرت على موقع إيوان 24 للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.