المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رضوى زكي Headshot

ورقة وقلم وكتاب

تم النشر: تم التحديث:

جملة من ثلاث كلمات، ورقة وقلم وكتاب، تختصر فيها جوهر المعرفة وشكل حياة، ثالوث مقدس وأضلاعه الثلاثة مرتبط بعضها ببعض، فحيثما وجدت الورقة والقلم ولدت الكلمة، وعندما تبلور الكتاب كوعاء حديث للمعرفة فقد خُلق من أب وأم هما الورقة والقلم.

وارتباط القلم والأوراق أوثق من ارتباطهما معاً بالكتاب، فمن يود التخطيط ليومه يدون مهامه على الورق، ومن يكتب قائمة احتياجاته، من يرسم.. من يصرخ.. من يحلم، لا بديل له عن أن يختط مشاعره وأسراره وأفكاره على صفحة بيضاء تحمل جزءاً منه.

كما أن من يقرأ كثيراً ويلازمه الكتاب في حياته ملازمة الصديق الوفي، لا بد له يوماً ما أن يفيض ما بعقله وروحه فينسكب على الأوراق؛ ليعبر عما يعتريه من شوق أو وجل أو فرح، عن فكرة أو عبرة أو ذكرى.. ستُختزل ذاتك لتتشكّل في حروف، فكلمات، فجُمّل.. ستبقى بعد رحيلك خالدة.. كما جاء في الحديث الشريف "علم ينُتفع به".. فستذهب أنت وتبقى الكلمة النافعة.

إن الورقة والقلم والكتاب بصورها وأشكالها المتعددة عبر التاريخ الإنساني (البوصة، الريشة، الحبر، الجلد، الكاغد، البردي، الحجر، العظم..) قد تلازمت بشكل وثيق بالإنسان منذ أن قرر أن يصنع تاريخه، أو يسجل أحداث حياته، أو يدون تفاصيله اليومية بكل ما فيها من أحداث مألوفة أو فارقة.

ولقد خلق الله بني آدم وكرمهم بالعقل عن المخلوقات الأخرى، فكان العقل القوة المحركة الأساسية للإنسان، وموضع الحكمة وموطن الأفكار واتخاذ القرارات، ألا يستحق عقلك -مايسترو حياتك- العناية به؟! أن ترويه بالمعارف بألوانها أدباً وفناً وعلماً، أن تدعه يتنفس ولا يركد، ولا تتركه هشاً فارغاً، تستحوذ عليه الصراعات اليومية التافهة، فيموت ذهنياً قبل أن يدفن بسنوات!

ولا أخفي سراً، فثقافة قراءة الكتب في الأماكن العامة تنبئ المجتمع المحيط برسائل غالبها ذو مضمون سلبي، فلا بد لمن يقرأ كتاباً -وأقصد هنا الكتاب وليس الرواية- بالضرورة أن يكون في طريقه لأداء امتحان، ويمنح نفسه الفرصة الأخيرة للنجاح، فهذه هي الصورة المتأصلة في المجتمع، أو أن القارئ شخص انطوائي، يُصادق الكتب أكثر من البشر، فقد يقبل منك البعض أن تكون صاخباً أو وقحاً، لكن أن تكون صامتاً تقرأ، أو تفكر في أمر ما وتضعه بين دفتي الأوراق، فستكون محط العيون ومادة للهمس.

لن نذهب بعيداً فقد عاصرتُ كثيراً من هذه المواقف، فتسألني صديقتي ونحن على شاطئ البحر في قيظ الصيف، وأقدامنا تغص معاً في الرمال بتعجب مستفهمة عما أفعله بورقة وقلم ونحن نستجم فوق الرمال الحارة! فالعيب أن أضع في حقيبتي ورقة وقلماً أدون فيها أفكاري أو خواطري أو ملاحظاتي أو حتى قائمة مشترياتي!

وتتبرع سيدة جالسة بجواري في عيادة طبيب بدعوات صادقة بالتوفيق والفلاح، عندما وجدت بين يدي كتاباً أطالعه؛ لأنها تعتقد أنني أستذكر درساً ما، ماذا أقول لها؟ هل أخبرها أنني أنهيت آخر مراحل التعليم العالي في بلادنا "شهادة الدكتوراه"، فتصعق السيدة وتنظر لي بشك مبين.

2016-12-16-1481917310-5356846-CSg25KvW4AAgjop.jpg

ويعقد مدير مركز بحثي في المؤسسة التي أعمل بها مقابلات شخصية للمترشحين للقبول في وظيفة ما، فيسألهم عن آخر كتاب قرأوه؟... فتأتي الإجابة المتكررة من غالب المتقدمين بأنني قرأت رواية (كذا).

يبدو لي أن هذا الجواب قد يكون طرف الخيط، فهذا الجيل الشاب يظن أنه يقرأ؛ لأنه يطالع أحدث الروايات التي تصدر كل عام، وغالبها لا يرقى لمرتبة "الأدب"؛ بل يلعب على أوتار مشاعر فئة عمرية معينة، لتتصدر هذه المطبوعات قائمة الكتب الأكثر مبيعاً... نعم إنه عصر الرواية كما قال وزير الثقافة المصري الأسبق جابر عصفور.

ولنمد هذا الخط على استقامته ليصل لي ولك.. ما هو الانطباع الذي تتركه عند الآخرين إذا قررت رفقة الورقة والقلم والكتاب؟
دعني أرسم لك صورة ستلمسها بنفسك عندما تخوض التجربة، يتوقع الآخرون من الشخص الذي يُطلق عليه "مثقف"، أن يكون متعالياً متفلسفاً في جل الأمور، يتحدث بلغة فصحى، ومفردات مُركّبة، لا ينخرط كثيراً في أنشطة اجتماعية، وكأنه شخص يعيش داخل فقاعة تحيط به تعالياً وترفعاً عن الآخرين، وفي الحقيقة أن هذه الصورة قد ساهم في صناعتها المجتمع بأكمله.

وللعجب أن أكثر المساهمين في خلق هذه السمعة هم طائفة من "المثقفين"، لا يخالطون أقرانهم، ويتشدقون بمصطلحات غير متداولة إمعاناً في إظهار "ذواتهم المنفردة"، على الرغم من أن سعة إدراكهم وإفادتهم مما قرأوه -إن كانت حقيقية- ستُحتّم عليهم إدراك الحقيقة الراسخة، فبقدر ما ينهل الفرد من العلم أو المعارف بأنواعها، سيعلم أنه لا ولن يُلم إلا بأقل القليل، وأن المعرفة كالبحر، تتناول جرعة منها، فتتعطش أكثر وأكثر.. تغرق فيها ولا تتمنى أن يُلقى إليك طوق نجاة، بل تستعذب هذا العطش الجميل، ولا ترتوي منه أبداً.

إن الحديث عن القيمة والفائدة التي تعود على الفرد والمجتمع من اتخاذ القراءة والكتابة عادة متلازمة للإنسان قد يكون غير مُجدٍ، فقد صدرت الكثير من المطبوعات والمقالات التي تحث على القراءة، أو ترسم الطريق لتعلّم فن الكتابة، إلا أن هناك أشياء في هذا العالم لا يمكن تذوقها ومعرفتها سوى بالممارسة والتجربة، فكما قال السابقون "من ذاق عرف".

2016-12-17-1481956959-517048-Untitled.jpg
ولكُلٍّ منا بصمته الخاصة المتفردة حتى حين نقرأ نفس الكتاب، فما تقرأه يختلط بمزاجك، وسمات عقلك، وسجايا روحك مكوناً مزيجاً جديداً خاصاً بك، يؤثر فيك على نحو مغاير، كأنك تعيد إنتاج الكاتب وفقاً لرؤيتك... هذه هي فردية المعرفة التي تختلف باختلاف القارئ المهيأ لاستقبالها والإفادة منها.

هل سيكون حديثي مكرراً حين أتناول جانباً من قيمة القراءة والكتابة في حياتنا.. حين أقول لك إنك تضيف إلى عمرك أعماراً حينما تسافر دون أن تغادر مكانك، وأنت مرتحل بروحك وعقلك دون جسدك داخل كتاب... تلتقي بأشخاص وترى مدناً وأمكنة، تتساجل مع أفكار المؤلف وتناقشه، أو تنكرها عليه دون أن تراه؟!

أم أحكي عن هاجس يؤرقك مهما هربت منه، أن تخلق دون أن تكون خالقاً، أن تتوحّد في الكلمة، وتتوحّد الكلمة فيك، حين تسمع لصوت داخلي لا يخفت ولا يضعف، لا تقاوم ولا تهرب، فقط استسلم، انتظر وترقب، فستولد الكلمة منك شئت أم أبيت، فإن استطاعت المرأة أن تُخفي حملها، فلن تفعل عندما يحل موعد ولادتها، وكذلك أنت -رجلاً كنت أو امرأة- ستولد من جديد بمجرد أن ترى أصداء حرفك أمام عينيك وينتفع بها غيرك، حينها ستضيف قيمة جديدة لحياتك، ونكهة مميزة لأيامك.

لكنني يتوجب عليَّ أن أخبرك أن تستعد، هيئ نفسك للسخرية، للهمز واللمز، سيقلبونك بـ"الكاتب" أو "المثقف"، سينادونك بها بصيغة تحمل رائحة التهكم، وإن بدت في ظاهرها مديحاً وتشجيعاً، لا تفعل شيئاً، لا عليك، بل امضِ في طريقك المرسوم وأحلامك التي تسعى لها، فأنت الآن على الطريق الصحيح، فاجعل من الورقة والقلم والكتاب أصدقاء مخلصين لك.. تسلم في هذه الدنيا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.