المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رضوى زكي Headshot

مترو القاهرة.. إيقاع الحياة في العاصمة المصرية

تم النشر: تم التحديث:

لا أتخيلني أبداً أعيش في تلك المدينة الكبرى المتباعدة الأطراف؛ بل هي دولة داخل الدولة، عاصمة مصر.. القاهرة العامرة، تستقبل هذه المدينة وفوداً من البشر صبيحة كل يوم، تشير الدراسات إلى أن حوالي أربعة إلى خمسة ملايين نسمة يدخلون القاهرة كل صباح ويغادرونها مساء نفس اليوم، فضلاً عما تموج بهم من سكانها.. بشر يسعون ويلهثون.. يمضون في طريقهم سائرين، وأنا من بينهم حين أزور تلك المدينة، وكما نقول في مصر "الغريب أعمى ولو كان بصيراً"، فأكثر وسائل المواصلات اختصاراً للوقت أمام القاهري أو غير القاهري على حد سواء هو "مترو القاهرة" بخطوطه الثلاثة.

كانت القاهرة قبل أن يربط المترو بين أطرافها أشبه بصندوق مكتظ بالبشر ليس له مدخل أو مخرج واضح، ولما كانت تلك العاصمة كبيرة ومزدحمة، تضج بكثرة أهلها ودبيب حركتهم.. قررت الدولة إنشاء مترو القاهرة الذي تتميز به تلك المدينة عن سواها من المدن.

بمجرد أن تصل للقاهرة يبرز أمامك المترو، أسرع وأرخص وسيلة مواصلات في العاصمة تنقلك إلى مسافات بعيدة في غضون دقائق قليلة، هذه حقيقة لا شك فيها، وربما تبادر إلى ذهن مخترع المترو كأهم وسائل النقل في العصر الحديث قهر المسافة واختراق الزمن، لا سيما في المدن الكبرى في العالم التي لم تجد مفراً آخر من استحداث وسيلة للنقل أسفل سطح الأرض.

يوماً بعد يوم أصبح المترو أحد التجليات اليومية التي تعكس طابع الحياة في العاصمة وقريناً لها. كمدينة القاهرة التي يحج إليها القاصي والداني، لقضاء مصلحة، وللعثور على فرصة، وسعياً وراء الطموح والنجاح والعمل.. أوليست الفرص أكبر بالعاصمة، أوليس الأمل يلوح منها لأبناء المحافظات الأخرى وحتى الكبرى منها.. أوليست أقرب الطرق لكل حلم كبير؟!

لمترو القاهرة ثقافة وأدبيات طابعها من طابع القاهرة يجب أن يتعلمها كل مرتاد لهذه الوسيلة السريعة، فالحياة في القاهرة لا تنفصل عن هذا المترو.

لم يكن مترو القاهرة مجرد حدث أو وسيلة مواصلات جديدة، لكنه أصبح تغييراً في وجه القاهرة الديموغرافي.. مئات من البشر يشتركون في الملامح التي لا روح فيها، يهرولون في معركة اللحاق بعربة المترو منذ دخولهم ورؤيتهم للعلامة المميزة الحمراء التي تحمل رمز M كعلامة على وجود محطة مترو في أنفاق طويلة وباردة، وسط ضجيج يبعث على التوتر والسرعة يخففها أصوات الموسيقى أو الراديو التي تنبعث أحياناً من جنبات الأنفاق الصامتة الكئيبة.

2017-03-07-1488881336-1849332-____.jpg

الوصول إلى عربة المترو أمر ليس بالهين، وبخاصة إن كنت غريباً.. ممرات كثيرة واتجاهات متشعبة، سلالم وسلالم ضيقة كئيبة تجبرك على العبس ككل المارين بها، تجد الناس يسعون بين جنباته مسرعين دوماً للحاق بعربات المترو، قد لا تبذل مجهوداً أحياناً في العثور على وجهتك.. بل سيأخذك الزحام في طريقه، وهكذا سَمتُ شوارع ودروب القاهرة التي تتوه فيها من كثرتها وتداخلها.

2017-03-07-1488880800-9459455-article_original_9886_20160328_56f952edd0460700x323.jpg

يتطلب المترو مقداراً من الذكاء لحساب الوقت اللازم للدخول إليه أو الخروج منه قبل أن تجد نفسك "محشوراً" مع جمع غفير من الركّاب، كما يجب أن يتوفر في الراكب مقدار من "التوافق العضلي العصبي" للحاق بعربة المترو في اللحظة المناسبة قبل أن يقع فريسة بين طرفَي بابه.

أخذ المترو في طريقه السريع أحلام البشر من مختلف الشرائح والطبقات.. يلتقون لدقائق تطول أو تقصر ثم يفترقون بعدها.

هو صورة عن المدينة الحديثة اللاهثة التي تضيق بالسطح العلوي وتذهب إلى عالم سفلي يصل بين قلب المدينة وأطرافها.. المترو هو روح القاهرة اليوم وإيقاع حياتها السريع المقتضب.. إن وقف المترو تتصلب شرايين تلك المدينة القديمة.

المترو يعلمك أن للحياة خطوطاً تتقاطع حيناً وتتوازى حيناً، منها ما يمكن الرجوع منه ومنه ما ستضطر أن تكلمه وحدك.

في المترو عالم كامل.. عيون زائغة تنظر إلى المحطة التالية قبل أن تفوت.. بائعون ينادون على بضاعتهم.. ازدحام في الخطوط الرئيسية المتجهة إلى وسط البلد وميدان رمسيس يماثل زحام المدينة المشتد وقت الذروة حد الاختناق.. وخطوط أخرى تذهب إلى الضواحي البعيدة هادئة كهدوء تلك الضواحي وبعدها عن قلب المدينة المزدحم.

المترو هو أسرع وسيلة تقطع بك الطريق في قلب العاصمة.. ووجودك في العاصمة كفيل باختصار الزمن والمسافات عن أي مدينة أخرى.. المترو هو وجه القاهرة بسرعتها واكتظاظها بأهلها.. بإيقاعها السريع دون سبب بعينه.. ففي المترو كل البشر يسعون في سرعة للحاق بالعربة المناسبة.. وفي القاهرة كل البشر يسعون لاقتناص الفرصة المناسبة، يسعون إليها سعياً حثيثاً ويطرقون أبواب الأمل.

في المرة القادمة وأنت ترتاد مترو القاهرة تأمل وجه الشبه بينه وبين المدينة التي نبت فيها وأصبح عصبها الرئيسي.. تأمل في ملامح البشر المسرعين، وابتسم فأنت في القاهرة "أم الدنيا".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.