المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيوب رضواني Headshot

خط الغاز نيجيريا - المغرب: أحلام الساسة وكوابيس الاقتصاد

تم النشر: تم التحديث:

اتفاق سوّق له الإعلام المغربي بكونه الفتح العظيم لأسواق وقلوب دول غرب إفريقيا. أولى الحقائق التي غيّبها إعلام المطبلين، أن الاتفاق كان على دراسة الجدوى الاقتصادية لخط الغاز المزمع تشييده.

ما كان يجب التسرُّع وتسويق المشروع على أنه حقيقة على الأرض والحكم على نجاحه؛ فقط من أجل الدعاية وتجميل الصورة. وهو ما يذكر بإعلام "السيسي" عندما طبل لتفريعة تافهة في قناة السويس، وعاصمة جديدة خيالية، ومؤتمر اقتصادي سينعش اقتصاد المحروسة... ليكتشف الشعب المصري أن الاستعراضات لم تخرج عن مساحيق تجميل لتبيض أيدي المشير الملطخة بدماء شعبه، مسلمين وأقباطاً، معارضين ومؤيدين.

المنافع الجيوسياسية للمشروع، من وجهة نظر الجانب المغربي، تشمل إعادة رسم الخريطة الجيوستراتيجية إفريقيّاً (تأثير الوضع الجغرافي على وسائل تحقيق الأهداف السياسية)، بفك العزلة عن البلد. إضافة إلى تقوية موقعه إفريقيّاً في نزاع الصحراء بتمتين محور المغرب-نيجيريا، على حساب مثلث الجزائر-جنوب إفريقيا-أنغولا المعادي للمصالح المغربية.

خطٌّ بطول 4 آلاف كيلومتر، سيمر على 12 دولة، ويمكن من توصيل الكهرباء لـ320 مليون إفريقي؛ ما يقوي حضور المغرب بقوة ناعمة في قلوب سكان غرب إفريقيا.

من غايات المشروع، ترسيخ أقدام المملكة في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO. المجموعة قبلت مبدئياً انضمام المغرب في قمة حضرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

الخط يراد منه تمكين نيجيريا من الوصول لأسواق القارة الأوروبية، وإنعاش خزينتها لإكمال التنافس مع العملاق الأنغولي الغني نفطياً، دون كثير اكتراث بالمجاعات ومظاهر فساد يضرب بأطنابه أرجاء أغنى بلدان القارة وأكثرها سكاناً.

هذا عن المنافع الجيوسياسية التي عبر عنها الإعلام المغربي بعينه الواحدة. سنكون عين المواطن المغربي الثانية، ونحاول دراسة المشروع من ناحية تحديات الجيوسياسية وإمكانية عدم جدواه الاقتصادية.

من شروط نجاح مشروع كخط الغاز النيجيري المغربي، التقليل من دول العبور. كل دولة هي مصدر محتمل للخلافات التجارية (المطالبة برسوم أعلى للعبور)، تهديد مالي (عدم القدرة على دفع ثمن الغاز المستهلك)، وتهديد جيوسياسي كذلك الذي لوت به موريتانيا ذراع المغرب بداية الحديث عن المشروع، حين لمحت بعدم السماح للأنابيب بالمرور فوق أراضيها أو داخل مياهها الإقليمية.

القدرة على تغطية تكاليف المشروع تعد أيضاً هاجساً. التكاليف تشمل الإنشاء والتسيير والصيانة على المدى البعيد، خصوصاً أن الخط يمر عبر دول هشة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، رغم تصنيفها من أكثر دول القارة دينامكية: مجاعة في نيجيريا، تهديدات أمنية في دول الساحل من بوكو حرام وأذرع تنظيم القاعدة، وصولاً للبوليساريو التي في أيام قليلة شدت أنظار العالم وحبست أنفاسه باحتلال معبر بمساحة أمتار معدودات (الكركارات)، فما بالك بخط غاز بطول 4 آلاف كيلومتر؟

في مثل هذه القضايا لا يُعتمد على القانون الدولي؛ بل على قدرة الدول على الردع العسكري والسياسي. وهو ما يفتقده المغرب للأسف.

المحللون المغاربة "الفطاحل" يتحدثون عن كون خط الغاز الموعود "بديلاً ومتنفساً جديداً لأوروبا أمام تراجع الغاز الجزائري وهيمنة الروسي على السوق".

سوق الغاز تشهد تحولات جذرية قد لا تخدم مخططات المغرب. السوق الأوروبية سوق مشبعة بالغاز الروسي والنرويجي منخفض التكلفة. كما أن مستوى إنتاج الجزائر المستقر تقابله جهود حثيثة للتنقيب وإنتاج الغاز الصخري الرخيص، رغم النفي الرسمي أمام القلق الشعبي من الجوانب البيئية المدمرة لأنشطة التنقيب.

جهابذة المحللين إما غفلوا وإما نسوا أو تناسوا المنطق الاقتصادي في الموضوع، والذي ستكون له الكلمة الأخيرة أمام الأماني السياسية.

النجاعة الاقتصادية كانت وراء تخلي الجزائر عن مشروع مماثل سنة 2008 بعد 6 سنوات من الدراسة. المشروع آنداك كان يهدف إلى مد خط غاز من نيجيريا، مروراً بالنيجر ومالي، وصولاً للجزائر. دوافع التخلي كانت أمنية بعدم استقرار دول العبور، لكن كذلك اقتصادية، حيث لم تحصل الجزائر على تأكيدات من نيجيريا فيما يخص مخزونها من الغاز. معطيات تضرب في مقتلٍ ما تداوله إعلام التضليل المغربي حول كون المشروع انتصارا للمغرب على الجزائر، في إثارة للنعرة الوطنية في قلوب شعوب صديقة وجارة.

منطق الفاعلية الاقتصادية هو ما جعل أوروبا تتراجع عن مشروع يبدو أكثر قابلية للحياة مقارنة بالمشروع المغربي-النيجيري: خط غاز بحر قزوين الذي خطط له ليربط بين تركمانستان وأذربيجان وصولاً لتركيا والاتحاد الأوروبي: الخط لم يخرج للواقع؛ لتناقُضه مع منطق السوق: كثرة دول العبور، الغموض في الطلب العالمي؛ ما يدحض مرة أخرى مزاعم المحللين الأشاوس حول دعم أوروبي للمشروع المغربي-النيجيري. دعم إن وجد فلن يتعدى عتبة التصريحات الدبلوماسية.

حقل الغاز الضخم المكتشف مؤخراً في سواحل قبرص، ولبنان ومصر وإسرائيل، يعد منافساً شرساً للحلم المغربي-النيجيري. ما إن ينجح العام سام في تقريب وجهات النظر بين حليفه إسرائيل وباقي الدول حول تقسيم الحقل، حتى يُغرق الغاز المتوسطي أسواق أوروبا بثمن بخس، باعتبار وجود الحقل في البحر وعلى مسافة أقرب لأوروبا. أمنية دول غرب إفريقيا المتجسدة في الوصول للأسواق الأوروبية تبدو بعيدة المنال.

خط الغاز المزمع تنفيذه ليس بالجديد، هو فقط تكملة لخط موجود أصلاً، لكن ليس بالزخم نفسه الذي يدّعيه الإعلام: خط رابط بين نيجيريا، بنين، توغو وغانا، استغرق إنشاؤه 5 سنوات من 2005 إلى 2010. الوصف الواقعي والأكثر منطقية للمشروع هو إكمال مد الخط القديم ليمكن من تجميع الغاز المكتشف في السنغال وموريتانيا.

المشروع الذي تقدر تكلفته بين 5 و20 مليار دولار حسب طبيعة المسار برياً كان أم بحرياً، سوق له كإنجاز جيوسياسي، حيث انبرت مواقع "شعبوية" هدفها جمع "الجيمات" أكثر من إيصال الحقيقة للمواطن المغربي المسكين، انبرت تصفه بالمهدِّد لحصة الروس على المدى البعيد في السوق الأوروبية.

الواقع أن روسيا دأبت على التحرك عسكرياً وسياسياً لضرب أي تهديد محتمل لحصتها في الكعكة الأوروبية. الدب الروسي أشعل أوكرانيا وقسمها نصفين واحتلّ شبه جزيرة القرم، عندما أبدت الحكومة الأوكرانية نية لإعادة هيكلة بنية البلاد التحتية قصد تحديث أنابيب الغاز وزيادة الإنتاج.

كما أن رفض مد خط غاز قطري عبر الأراضي السورية سنة 2011، وتفضيل خط إيراني في المقابل، كان سبباً في فتح دولة تميم بن حمد مخازنها للمعارضة السورية. معارضة تحولت فيما بعد لمجموعات تنفذ تطهيراً وتغييراً ديمغرافيا في بلاد الشام على أعلى مستوى.

المصدِّرون في الوقت الحالي يسعون لإسالة الغاز بتقنية LNG. الغاز السائل يعد الخيار الأكثر إغراء؛ لأنه يتيح مرونة أكبر من حيث الوصول للأسواق ذات المردودية الكبيرة.

الاتجاه السائد في القارة العجوز يؤول إلى التخفيف من الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية التي تتسبب في أكثر من 70% من انبعاث الغازات الدفيئة، تماشياً مع التزامات دول الاتحاد بأهداف قمة باريس للمناخ 2015، للحفاظ على مستوى ارتفاع لدرجة حرارة الأرض ما دون درجتين مئويتين.

السعودية قد تكون صمام أمان مالي لأي فشل ذريع للمشروع، لكن المغرب سيضيع سنوات مليئة بالفرص في جبهات أخرى.

دعم دول الخليج السياسي للمملكة الشريفة بذراع مالية أصبح غير مضمون في ظل الصبيانية السياسية التي أبدتها بعض دول مجلس التعاون عقب الأزمة بين قطر وباقي الدول النفطية.

الإمارات العربية المتحدة، الشريك الوفي، لم تتوانَ عن بث نشرة حول المغرب بخريطة مبتورة الصحراء، عقب بعث الأخير بـ3 طائرات غذائية لقطر المحاصَرة. الحركة الصبيانية جاءت متوازية مع بث قناة "العربية"، المملوكة للسعودية، تقريراً يصف الصحراء بـ"الغربية"، وجبهة البوليساريو بـ"الجمهورية العربية الصحراوية" الساعية لتقرير المصير.

من شروط الشراكة، النضج السياسي. لا يمكن التعويل على دول ما زالت تصارع للحفاظ على شرعية أنظمتها المهتزة. هي أنظمة مستعدة لأن تبيع وتشتري في الشعوب والخيرات والحلفاء للوصول لغايتها.

يبقى أخيراً تأكيد أن عقْم العلاقات بين الجزائر والمغرب وخلافهما حول الصحراء، والذي لا يريد أي طرف أن يصل فيه لحل لغاية في نفْس يعقوب لا يتسع المجال لذكرها وشرحها- هو سبب الجري خلف مشاريع تتحدى منطق الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا.

مشروع خط الغاز نيجيريا-المغرب ما كان ليُطرح حتى كفكرة لو وجد تكاملاً إقليمياً بين بلدين جارين، يشتركان في الهوية والتاريخ والمصالح الحيوية. غير أن أنانية الساسة تؤدى أسعاراً مرتفعة من خيرات ومستقبل الشعوب. تضطر الدول إلى خوض مغامرات سياسية واقتصادية غير مضمونة العواقب بحثاً عن فك العزلة وكسب صداقة البعيد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.