المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ربيع أبو شحات Headshot

اغتراب

تم النشر: تم التحديث:

أمسك بين يديه البوم الذكريات، معروضًا على شاشة هاتفه الجوال، سمع صوتًا يأتيه من أعماق الأعماق:
ما المانع أن ترجِع إلى مثواك؟
رد على محدثه:
بين البلاد حواجز وعقبات وما بين الزمان والزمان ليالٍ ليلاء.
- لم البعد الطويل وهم لم يعدو يتحملون الفراق؟
- ربما تعودوا على الفراق.
- وما يدريك لعلهم لرجوعك حالمون وفي الأسحار هم ساهرون.
ليلتها أراد استعادة ذاته فانتفض قائمًا من على سريره وأضاء غرفته التي كانت حالكة، وبيد ترتجف وقلب مضطرب أخرج جواز سفره وراح يحدق فيه كغريق ينظر إلى خشبة تطفو بعيدًا بعدما عجز عن التعلق بها.
اندفعت الشمس مصممة نحو الأفق الغربي وتحول الظلام الدامس إلى بقايا أشلاء تختفي على استحياء، حين تزينت السماء بوبرها الأبيض الغاسل للأشجار.
لم يكن ليشعر بكل هذا الأمل الفواح مع رقائق النسمات وهو مندفع نحو المهد الذي خرج منه، وإليه الآن يعد الخطوات، كل ما شعر به حركة السيارة وهي تتأرجح بين الجبال كخيط انفلت من دائرة النظام.
كان يجول بأطراف عينيه كلما مر أمام حارة أو زقاق، كل المعالم تغيرت حتى الناس، ما عادت هذه الوجوه المألوفة أيام الصبا والذكريات.
وعندما وصل إلى مناله ومبتغاه وقف يستجمع قواه التي خارت بعدما وجد طفل ينهره باستخفاف:
من أنت وماذا تريد؟!
رد على الطفل؛ لكنَّه محدثًا من حدَّثه من الأعماق:
أنا صاحب هذا المنزل.. أين أبي، أين أمي، أين بقية الأشياء؟!
أزاح الطفل بساعده الأيسر، وطفق يضرب جرس الباب الذي لم يتغير عن تفاصيله سوى الألوان.
خرج عليه رجل يرتدي ملابس كالغربان وسلسلة معلقة في رقبته كالكلاب.
سأله عن مناله ومبتغاه؟
،فنهره بنظرة شفقة متحسرة، ثم دخل منزله بعد أن أذن الغريب، وقال مرددًا: هذا البيت بيتي، على هذه الجدران كانت صورة جدي وهو يتلو القرآن وهنا صورة أمي وهي تدعو مع أبي في بلاد الحجاز، وعلى هذا الجدار كانت صورة أخي وهو يحصد في الأرياف، ومكان هذا الجدار كنا جميعًا نستظل أسفل شجرة التفاح بعد أن ننتهي من دروس الفقه والحديث وحفظ القران.
أوقفه الرجل وقاطعه للحظات:
وما يدريك بهذه الغفلات، إنكم فارقتموها بعدما غرقتم في التعلق بالأمنيات، أما الأمكنة والمحال فتحتاج مع التمني الاقتدار.
فأنتبه إلى أنه هو الذي هاجر البلاد، وما اللحظات التي يحاول الاستمساك بها إلا عبور في اغتراب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.