المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ربيع أبو شحات Headshot

النقش على الذكريات

تم النشر: تم التحديث:

لا يزال قائده يبتعد بإثبات شخصيته الذي جرده منه بعيداً وهو ينظر إليه في ذهول وحسرة.. لم يهتم لحظة بعواقب تلك الواقعة التي ربما تودي به إلى السجن الحربي؛ حيث كان هناك ما يقلقه وهو انتزاع أجمل ذكريات حياته، إنه طبق صيني منقوش عليه أسطورة الحب ورائعة وليام شكسبير التي كثيرًا ما هوى القراءة عنها "روميو وجولييت".

كان جالسًا على أحد المقاعد الحجرية وسط الكتيبة يترقب لحظة الغروب ببطء وشاعرية، راحت الشمس تتدلى أمامه حتى سقطت خلف الجبل الساكن.

ما أعجب الشمس! وما أغرب الشبه بين رحلتها ورحلتي؛ تبدأ في الصباح غريرة وكأنها وليد ساذج يستقبل الحياة، وكأن وجهك يا حبيبتي هو الشمس التي أضاءت حياتي بعد طول ظلمة.

كنت قد أمضيت 4 سنوات من حياتي الجامعية حين وقعت في حبك بعد أن تخبطت في تلك المرأة القبيحة الطباع وتلك الكاذبة المخادعة، كنا نستقبل الحياة، كنت أنتظر صباحك وتنتظرين وداعي قبل أن تنامي.

زوايا القاعة تتذكر حبي وحبك وتشهد عليه رجل وامرأة قلبان خافقان وأصابع متشابكة وكفان متعانقان.

لساعات طويلة ظل على المقعد الحجري دون أن يفطن أن مشهده يلفت الأنظار.. تذكر أيامه الجميلة فليس معتادًا أن يُرىَ رجلًا في مثل شخصيته يجلس طويلًا لا يفعل شيئًا سوى الكلام دون كلام ينظر إلى ذلك الطبق وكأن حبيبته تحدثه من خلاله؛ ولكنَّها ليست بجواره.

كان يبكي دون أن يدري منذ أن ذهبت عنه بعيدًا، لكنَّه بكاء بلا دموع لأنه بكاء القلوب.
كل الأحبة آنذاك كانوا حديث الألسنة بأسرها إلا حبهمًا فكان الحب بكل تفاصيله.
كانا جميلان وكأنهما المادة الخام للربيع.

فجأة تغيرت وأصبحت غريبة مريبة بعيدة، أصبحت هي ليست هي.. هو الذي يجبر أعناق أجمل النساء للنظر إليه حاول أن يخدع نفسه، فكَّر في غيرها.. فكر في مستقبله لكن دون جدوى.. ملل طارئ حزن مفاجئ أي شيء غير أنها ارتبطت بشخص غيره.. بالرغم من أنه كان متوقعاً ومحتملاً لكنه كان غير قادر على التفكر في ذلك الاحتمال.

مرت سنته العسكرية وهو محتفظ بأجمل الذكريات لم ينس ولو لبرهة حبيبته التي ينبض حبه بذكراها.

ومرت الأيام وحدثت المعجزة دق قلبه أخيرًا إعجاب بفتاة أخرى ثم تباطأ رد فعل قلبه؛ فهذا الحب ليس في موضعه لأن لذلك القلب حبيب واحد لا ينبض إلا من خلال ذكراه، فهو أصلاً لم يسمع لذلك الإعجاب، فيما كانت دموع قلبه تنهمر عليها فهي التي طعنته في الصميم ولم يكن ليستحق كل هذا منها.

لجأ إلى النيل ليشكو له بعدها حيث الشمس تندفع مصممة صوب الأفق الغربي ناشرة من حولها الألم والحزن والفراق.

تركته رغم إرادتها هو بكل العمر واللحظات التي وهبها لها. لماذا نحب إذا كنا سنفترق؟ وإذا كانت النهايات بهذه القسوة فلم نفرح بالبدايات!؟

أراد أن ينهي آلامه وأحزان قلبه فجلس على حجر صخري على طرف النيل أثناء الغروب ممسكًا بذلك الطبق المنقوش.. للحظات أعاد قلبه فلاش باك لأجمل حب في حياته.

لم يفهم عقله ما يجري.. كان مشلولاً عن الحركة.. حتى لسانه كان مشلولاً عن الحديث لقلبه.. لكنَّ يده فهمت بالغريزة أن شيئًا كان يمسكه.. شيئًا كان يملكه.. شيئًا كان كل حياته فجأة سقط في الماء.. سقطت كل الذكريات في نهر الذكريات.. غاص الطبق حتى الأعماق وغاصت روحه معه حتى سأل نهر الوفاء الحفاظ على سر اللقاء لأجمل نقش للذكريات...

وللحديث بقية.