المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ربيع أبو شحات Headshot

المذبحة المنسية.. ليلة الرعب في "نصر الدين"

تم النشر: تم التحديث:

ليلة دامية، ربما ساقني القدر حينها أن أكون الشاهد الوحيد إعلاميا عليها، في مشهد أسماه الحاضرون "رصاص الجرينوف المصبوب"، فدماء 57 قتيلا لم ترو حينها ظمأ النظام المعتطش للمزيد، رغم ما سال في ميداني رابعة (شرق القاهرة) والنهضة (بالجيزة)، قبلها بساعات.

عقارب الساعة تقترب بسرعة من الذكرى الثانية لذلك التاريخ المشئوم، يوم الخميس التالي للأربعاء الأسود 14 أغسطس من العام 2013، أيام زكمت الأنوف رائحة الدماء، ورنت في الآذان أصوات الرصاص، وشاخ القلب من آهات النهضة وعويل رابعة.

كنت على مقربة من ميدان النهضة بالجيزة حين اقتحمته جرافات تدعمها قناصة وطائرات، بالتزامن مع اقتحام أكثر شراسة شرق القاهرة في رابعة العدوية، حيث تشتت جموع المعتصمين (من أنصار أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة 25 يناير، محمد مرسي)، خارج الميدان، بعد أن أمطرتهم أسلحة النظام زخات الرصاص لسبع ساعات.

مر يوم لم تعد الحياة بعده كما كانت، آلاف الجثث وآلاف الضحايا لشهداء غبطت رائحتهم برائحة الدماء، لم أدر كيف غفوت حينها، لكني مازلت أحتفظ بتفاصيل مشهد آخر في ذاكرتي عن ظهر قلب، كانت الساعة تدق الرابعة عصرا، حين هاتفني زميل بالجريدة التي أعمل بها بأن هناك اعتصاما آخر بشارع نصر الدين، وتحديدا أول شارع الهرم بالقرب من محطة قطار الجيزة، والشرطة والجيش في طريقهما لفضه.

بالقرب من محطة قطار الجيزة، أقام المعتصمون منصة بديلة لمنصة النهضة، سرعان ما أحرقتها قوات الأمن، ليرد المعتصمون بإغلاق الطريق عبر إشعال النيران في إطارات السيارات المتواجدة في محيط الأحداث لغلق طريق شارع الهرم في الاتجاهين.

مرت الساعات بين كر وفر لم أعرف حينها من مع من، كنت أخشى كشف هويتي، فهناك من يطلق رصاصات الجرينوف وآخر يرد بخرطوش، أحداث دامية شهدت العديد من الأحداث، أسفرت عن سقوط 57 ضحية من أنصار مرسي، حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي.

تعرض المتظاهرون لعمليات تعدٍ متكررة من قبل قوات الأمن تارة ومن جهة البلطجية تارة أخرى، القناصة اتخذوا سبيلهم في العمارات المحيطة بالمكان، وبلطجية ينتمون للنظام القديم الجديد محمولون على "تروسيكلات" (سيارات ثلاثية الإطارات) لفض اعتصام الفارين من الاعتصام.

رصدت بعيني حينها أربعة من أعضاء الحزب الوطني المنحل، وهم يحاولون تجنيد بعض البلطجية؛ لفض الاعتصام، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، فيما توجه المتظاهرون إلى قسم العمرانية القريب من المذبحة الصغيرة المنسية، ليعتدوا عليه بالحجارة، بعد أن فرت قوات الأمن المكلفة بحمايته، وتحرك عدد منهم لمحاصرة قسم شرطة الطالبية الكائن بشارع الهرم، ولكن قوات الجيش سبقتهم ونشرت 18 دبابة و10 مدرعات، ما حال بين المتظاهرين الحانقين على من فض اعتصامهم وبين القسم.

أسفرت أحداث "نصر الدين" عن سقوط 57 قتيلاً ومئات المصابين، رأيتهم بأم عيني، بعد توفرت لهم الرعاية الطبية في مسجد نصر الدين (أول شارع الهرم بالجيزة)، الذي كان إمامه يحذر المعتصمين المشتتين والمصابين من التوجه إلى مستشفى "أم المصريين" (بالجيزة)، حيث كانت بمثابة فخ لاعتقال الكثيرين، من قبل قوات الأمن، قبل أن تخرج الأرواح من الحلقوم.

شيَّع أهالي المعتصمين الجثامين إلى مثواهم الأخير، بترحيلهم إلى مقار سكناهم بصورة فردية عبر سيارات خاصة، حتى لا يتعرض لهم أحد، ورغم غربلتهم برصاصات الجرينوف، إلا أني اكتشفت بعدها أن غالبيتهم ما بين غائب عن دفاتر أموات السلطات، وآخر مدون في شهادة وفاته "منتحر"، وآخر لسبب مجهول.

ومع الساعات الأولى من اليوم التالي، بدأ غبار الرصاص ينفض، حيث راح الضحايا لمثواهم الأخير، حيث كان أغلبهم وفقا للقاءات أجريتها حينها من مدينة الفيوم (جنوب القاهرة).