المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ربيع الشيخ Headshot

وطن يترنح في معركة بلا رؤية !

تم النشر: تم التحديث:

ليس هناك صراع لأجل الصراع، بل كل طرف يدخل المعركة أو الحرب لأجل ترجمة الصراع لمكسب سياسي، والفائز هو من يستطيع ترجمة نتيجة المعركة لمكسب سياسي، دون ذلك تكون حربًا خاسرة وعبثية..

في صراعنا الحالي نعرف أن هذا ليس وقت تحقيق مكاسب.. وإنما هو وقت إدارة الخسائر.. الجميع خسر الكثير.. العاقل من يوقف نزيف الخسائر.. لذا كانت المبادرات السياسية..

فمنذ وقع الانقلاب، وكثيرون يقدمون مبادرات للخروج من المأزق، وهذا الكثير بعضه من المحسوبين على النظام العسكري، وبعضه من المحسوبين على المعارضة والشرعية..
**
ويمكن تقسيم هذه المبادرات من حيث بعدها الزمني إلى قسمين:

1 - ما قبل مذبحة رابعة العدوية: مبادرات (الجماعة الإسلامية - المستشار فؤاد جاد الله - البرادعي - هشام قنديل - سليم العوا - مصر القوية - الاتحاد الأوروبي - الاتحاد الأفريقي - ....).

2- ما بعد مذبحتي رابعة العدوية والنهضة : مبادرات (زياد بهاء الدين - البناء والتنمية - كمال أبو المجد - البديل الحضاري - محمد علي بشر - حسن نافعة - أيمن نور - ....).

** ويمكن تقسيم هذه المبادرات من حيث الانحياز والاصطفاف إلى قسمين:

بعضها يميل أكثر للعسكر، وبعضها يميل أكثر للشرعية، لكن يجمعها أنها في منطقة الاعتدال والقبول العقلي والوطني.. ويمكن أن نصف هذه المبادرات جميعًا بأنها كانت تصلح مخرجًا من الواقع المتأزم، وحقنا للدماء وصيانة للأعراض.... لمن صحت نيته في البحث عن مخرج..

***

ويمكن رصد ردود الفعل المختلفة عليها من الطرفين:

كان التحالف الوطني لدعم الشرعية يتمسك بعودة مرسي ظاهرًا، لكن ظهر في ثنايا كلامهم الاستعداد للتنازل عن هذا المطلب، ولكن بشكل لائق حين تتوفر النوايا للخروج من المأزق، ويمكن توضيح موقفهم من المبادرات المطروحة للخروج من الأزمة بكلمات من بيانهم المتعلق بهذا الأمر: "إن الثوابت التي ينبغي احترامها لقبول أية مبادرة، هي السعي لتحقيق أهداف ثورة يناير، وإنهاء الانقلاب، والعودة للمسار الديمقراطي، واحترام إرادة الشعب في تقرير مصيره، ورفع يد العسكر عن السياسة، وعودة الجيش لثكناته"..

بينما العسكر منذ اللحظة الأولى، كان موقفهم هو أن المعركة صفرية، فجرى احتجاز الرئيس وإغلاق قنوات الإسلاميين مع بيان الانقلاب، وحملة تشويه رهيبة تضع الإسلاميين كعدو للدولة أخطر من الكيان الصهيوني، وأعلن عدلي منصور إغلاق باب التصالح مع الإخوان بحجة تزايد أعمال العنف والإرهاب، التي حمّل النظام مسؤوليتها للإخوان.. وكل تفاوض جرى من طرف العسكر كان يدور حول مطلب واحد سجلوه في بياناتهم التي ألقيت من الطائرات على رءوس المعتصمين: (عودوا إلى بيوتكم) (الوطن لا يسعكم) (لستم أصحاب قضية) (قتيلكم ليس شهيدًا) (..............).. هذا لا يسمى تفاوض، بل إملاء شروط..

***

تسقط البيانات على رءوس المعتصمين.. صارخة: المعركة صفرية.. تهوي معها قلوبهم.. إلى الأرجل.. ثم تعود بعد لحظات.. لتناطح السحاب.. ولسان حالهم: (لقد ألقوا بنا في مواجهة حقيقية مع ما نؤمن به.. الكرامة.. كلمة الحق.. الاستعداد للموت دون ذلك.. حرب نفسية رهيبة.. كل ما علينا أن ننصرف لبيوتنا.. ننصرف فحسب.. يضغطون علينا لنفعل ذلك.. يجربون وسائل مختلفة.. يبحثون عن نقطة الضعف فينا!!

حسنًا.. لا توجد لدينا نقاط ضعف!! نحن لسنا مثلهم.. لا نحيا بقيمهم.. لا نحذر ما يحذرون.. لا نخشى ما يخشون.. نحن مختلفون.. بل نحن لسنا مجرد مختلفين.. نحن مميزون..

لا تستطيعون أن تحطموننا.. ليست لدينا نقاط ضعف.. ليس لدينا ما نخسره.. ليس لديكم ما تستطيعون أن تصيبونا به.. فقتلنا شهادة وسجننا خلوة ونفينا سياحة)..

***

ليس هناك عاقل يعجبه ما وصلت إليه مصر الآن، يئست بعد أمل، وذلت بعد عز، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة.. أصبحت كالقصعة المستباحة، يتكالب عليها الداخل والخارج..

ولو نطقت لقالت للجميع: كفاكم متاجرة باسمي، كفاكم خداعًا، لقد صدعتم رأسي بشعارات براقة، ولم تفعلوا شيئًا..

لقالت لمن يحكمها الآن: لا إرهاب قضيتم عليه كما وعدتم، بل زاد الإرهاب أكثر وأكثر بعد تفويضكم، وتعمق الانقسام بين أفراد الأسرة الواحدة، وتحول الصراع من سياسي إلى إنساني، وأصبح الجميع يخوّن بعضه..

ولقالت للمعارضين: لا شرعية عادت كما تطالبون، وقُتل من قُتل، وأُعدم من أُعدم، وآلاف المعتقلين داخل السجون.. ولا رؤية لديكم للخروج من هذا النفق المظلم..

ولنادت الشرفاء الأحرار من أبناء مصر، الحكماء والعلماء والمشايخ والسياسيين: أما آن لكم أن تتوحدوا، أما آن لكم أن تلتقوا فتضعوا مبادرة للخروج من هذه الأزمة التي ستعصف بالدولة، وستقضي على اليابس والأخضر!!

***

ربما قارئ يقول: هناك مبادرات عدة قدمت ولم يستجب لها أحد!

حسنًا.. هل يعني ذلك أن نوقف البحث عن مخرج!
يمكن أن نطرح أسئلة حول أسباب فشل المبادرات السابقة! طلبًا لمبادرة تتلافى أسباب الفشل:

هل السبب أنها خرجت من أطراف متفقة وليس مؤتلفة، بمعنى أنه كان الأولى أن يجلس المختلفون سويًّا للخروج بمبادرة تجمعهم بدل أن يلعب كل فريق في ملعبه الخاص!

هل السبب عدم توفر ضمانات إقليمية ودولية تلزم الأطراف المختلفة التي فقدت الثقة ببعضها!

هل السبب عدم وجود نية عند الطرفين أو أحدهما للوصول لحل! وهل يمكن تغيير هذه النية تحت وطء ضغوط معينة!

هل توجد أرضية مشتركة بين الأطراف، أم فقدت وسط حالة الاستقطاب الشديدة!

أسئلة كثيرة ينبغي أن نجيب عليها أولًا، قبل أن نتحرك طلبًا لمبادرة جديدة، حتى لا تحمل المبادرة الجديدة عوامل فشلها بين طياتها كسابقاتها!

***

أخشى أننا لن نوقف هذا السقوط حتى نصل جميعًا للقاع، فنشرب من مياه المجاري، وساعتها يمكن أن يبحث الجميع عن مخرج من القاع بجدية، وأخشى أن تكون الفرصة ساعتها قد فاتت..