المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رأفت رحيم Headshot

كيف تموت ولم أشبع منك؟

تم النشر: تم التحديث:

"1"
أتسلل خارج المنزل قبل أن يستيقظ أحد في القرية، في نهاية ليلة شتوية طويلة وبداية النهار.

الشمس ما زلت بكراً قديمة، ضعيفة، صفراء كالذهب، عبير الفجر البارد الذي لا يتأثر بالشمس أو فصل أو موسم، تلسع النسمات وجهي كأنها أمواس أو سياط مؤلمه.

أستنشق ذلك الهواء الذي لم يمسسه سوء سوى دخان سيجارتي الأزرق الذي يتوه سريعاً في رائحة حرائق القش. أخطو فى خطوات تائهة مترددة رغم معرفتي الجيدة بالمكان، فلقد أصبحت زائراً دائماً هناك. فلمَ التردد والارتعاش؟ ربما كراهيتي له هي سبب التردد، ولكني أحب قاطنيه وأشتاق إليهم، والله بما يكنه قلبي شهيد.

وعندما تحب أحداً تسعى مهرولاً للقائه، ما زالت الخطوات بطيئة، والشمس فى حرب بلا سلاح مع نسيم الفجر، حتى تتفوق عليه، ولو للحظات.

"2"
أعرف أن المكان قد اقترب عندما أرى نخيل البلح عالياً في عزة وكبرياء يداعب عُذرية السماء الزرقاء، تخبط الجذور في أعماق الأرض السمراء، لا أحد يستطيع الجزم ما عمق الجذور وأين مبدأها ومُنتهاها، ولكن الأساطير تقول بأن هناك نخلة قديمة بقدم آدم وحواء موجودة في القرية. ويقول كُبراء القرية وحكماؤها إنهم يعرفونها بالتحديد، ولكنهم لا يرغبون في الإفصاح عن مكانها حتى يتعامل أهل القرية وفلاحوها مع النخيل كله سواء، بنفس قدسية هذه النخلة.

شيوخ القرية يكرهون قطع النخيل وبيعه لتجار الخشب، وهذه النخلة منعت هذه التجارة. فالفلاح يخشى أن يقطع نخلة يجهلها ربما كانت هي النخلة المقدسة فتحل عليه اللعنة وضيق الرزق.
القرية مؤمنة، تعرف أن الله حق، والجنة حق، والنار حق، وأن الرزق فسيح وواسع بصالح الأعمال.

القرية كانت كأي تجمع بشري منذ بداية الخليقة بها الحرامي والشيخ، وتاجر المخدرات، والعاهرات المعروفات لأهل القرية جميعاً، والعاهرات المعروفات لعدد قليل بالقرية.

هناك الخير والشر، والحب والكراهية، والتقوى والفجور، والنعيم والشقاء.

هناك توافق واختلاف، ولكن عندما يؤذن الأذان يتوحد الجميع على هذا الصراط الذي يأخذهم جميعاً إلى المسجد لأداء الصلاة!

"3"
نهر النيل، أصبح مثلي وحيداً يكابد تعاسة مبكرة، شق الأرض الخضراء بلا خجل، واثق من نفسه وأهمية وجوده في هذه البقعة من الأرض، يخلق حياة ويبعث رزقاً، وأحياناً يقبض أرواح أولئك الذين سخروا من أهميته ونزلوا أعماقه ينبشون أسراره.

المياه زرقاء هادئة يتغير لونها بين الحين والآخر عندما تتراقص على سطحها أشعة الشمس الذهبية، يملأ المكان غناء عصافير غير مرئية. حاول البعض تتبع مصدر هذه التغاريد، ولكنهم وصلوا إلى لا شيء، ولكنها كانت إضافة جديدة لمكانة القرية التي حباها الله بنخلة مقدسة من عائلة شجرة آدم، وعصافير من الجنه تغرّد بدون وجود.

"4"
ينقبض قلبي برؤية هذا المنظر الساحر الذي يجعل البعض يهيم على وجهه عشقاً، ولكن في حالتي أنا أعرف الآن أنني على بعد خطوات معدودة من الجهة المرجوّة.

آخذ نفساً عميقاً بعُمق سيجارة الصباح الأولى. وأجرّ قدمي وكأنهما جبال مُثقلة، أفتح البوابة الحديدية القديمة، متى وضعت هذه البوابة؟ وما الغرض منها؟ هى تبدو قديمة مُهملة، ربما وضعت عند قدوم أول نزيل على هذا المكان، تآكل حديدها، وأصبح هشاً، وفقد المغزى منه وهو الحماية والقوة، ولكن فى هذا المكان لا يوجد أي تعاريف لأبجديات القوة.
في هذا المكان توجد الديمقراطية الوحيدة التي عرفها الإنسان، أعرف مقصدي بالداخل جيداً، خمس خطوات بعد شجرة الكافور.، ها أنا ذا أقف أمام مقبرة جديدة دليل على حداثة الفجيعة، أقرأ اسم أبي على الرخامة السميكة البيضاء بحروف سوداء محفورة داخلها، أكرر قراءة الاسم مرات ومرات وكأني أنكر أن الحدث قد تم منذ سنوات.

صانع الرخامة لم يدع أي مكان للشك بأن الراقد هنا هو أبي، الحروف سميكة، عريضة، محفورة بأزميل قاس لا يعرف الكذب والدبلوماسية.

"5"

ألقي عليه بسلام خاص، بحروف غير منطوقة لا صوت لها، تخرج على شكل نبضات أو رعشات لقلب مُضطرب به علة الوحشة وفجيعة الفراق.

أبتسم عندما أتذكر ابتسامته العريضة التي كانت تعقب مزاحه الساخر ونقده اللاذع وهو يلعب فى شعره الفضي الطويل، لم يقهقه يوماً بصوت عالٍ فكان به بعض من الخجل والحياء، ولكني كنت أعلم جيداً متى يطير قلبه من السعادة.

أقف أمام قبره كما وقفت أمامه عندما كان يعنفني على شيء اشتكت له أمي من فعلته، وبعد ثوانٍ معدودة من خروج أمي من الغرفة تعود ابتسامته العريضة ككوم من السحاب الذي يحميك من حرارة الشمس الصيفية.

يشجعنى على فعلتي مهما كانت وينصحني أن أفعلها خلسة لا أجعل أمي تشتكي مني مرة أخرى.

نعم اليوم أقف أمامه وأنا أكبر سناً رغم قلة عدد الأعوام في الأوراق والشهادات الرسمية، وأثقل هموماً رغم رغد العيش، أقف أمامه كرجل تغير صوته ومظهره. وكم أكره هذا الرجل الذي أصبحت أنا هو فجأة وبدون مقدمات. وددت الآن أن أخلع ثوب هذا الرجل، وأعود ذلك الطفل المشاكس الذي كان يبعث الابتسامة على وجه أبيه. وأجري له هرباً من حزم أمي التي أسمع صوتها في الغرفة الأخرى شاكية: متى تتوقف عن تدليله؟

"6"
حلمت أن يأخذني معه إلى المقهى على شاطئ البحر كعادته، ويحكي لي لماذا غنت أم كلثوم هذه ليلتي؟ وكيف كان الهادي آدم مُقلاً في كتابة الشعر؟ هذا هو الثوب الذي أريد أن أرتديه الآن ولا أرغب في خلعه أبداً. هذه هي الحياة التي أهواها.

أتذكر كل ذلك وما زالت على وجهي نفس الابتسامة والحروف الصامتة، تتصاعد أنفاسي في اضطراب كأني في يوم امتحان عظيم.

"7"
وجب عليّ العودة من حيث أتيت، فآلاء الحياة بدأت تدب في أطراف القرية حتى في هذا المكان الذي لا يوجد به أحياء، فلسفة عجيبة تلك الحياة، أتوسط المقابر وسط هؤلاء الراقدين تحت الكُتل الخرسانية وأرى على مقربة ذلك الرجل الذي يركب حماره ذاهباً إلى غيطه، وعلى وجهه المُجعد كل دلائل البهجة والحياة، يلقي السلام على الراقدين تحت التراب، ويهز رأسه وكأنه يرد تحية أحدهم إليه! ربما هناك لغه لا أفقهها بينه وبين هؤلاء. لن أفهم ذلك، ولم أحاول أن أفهمه، وجب عليّ العودة وقطع الخطوات البطيئة في رتم أسرع؛ كي أرتدي ثوب الرجل الذي أبغضه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.