المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رأفت رحيم Headshot

وأغازل ما تبقى في جنباتها من يقين الماضي

تم النشر: تم التحديث:

(1)
اليوم أعود.. فقط "الحنين" هو من غيّر تعاريف الإرادة وأبجديات الانتصار على الممكن والمسموح.

أشعر بثقل الخطوات في الطرقات التي ألفتها وتسكعت في جنباتها، لماذا اليوم تلفظني وكأني نبت شيطاني في أراضٍ مقدسة؟ بلادي التي تركتها تركتني وعندما عُدت إليها نهرتني.

مسخ غريب وأشياء عجيبة وقوية تقشرت من شوارعها وحواريها لتهدم كل شيء وتغيره، تلوّن الناس والمباني والشوارع بألوان صارخة قبيحة.
الهواء أصبح سميكاً له رائحة كريهة بطعم الغُربة التي هربت منها.

أعجب من نفسي؛ لأنني ما زلت راغباً في المزيد من هذه التفاصيل الراكدة الخالية من المدلول، أين البقاع الطاهرة من أهلك؟ أين عبق الإيمان الحقيقى وتراتيل الأرواح والمنشدين؟ يا ضحكات الرضا عودي.. يا طنين الاطمئنان أين السبيل؟

تغازلني في مدينتي أحلام وردية لطفل صغير مات في إشارات المرور يبيع الفُل قبل أن يولد، وشاب ضاع مني هدراً باحثاً عن المستحيل من الآمال البيضاء، ورجل قهرته الحاجة، يئس وآمن بأن الكفر بكل شيء هو الفضيلة والجائزة الكبرى، وامرأة لم يبقَ من روحها إلا نظرات مضطربة وخوف من الصفعات التي تهبط عليها من أيادٍ كثيرة كأيدي الأخطبوط.

(2)

قامرت على موجات زرقاء من الأمل وسماوات حبلى بسحابات الحق، فطلع حظي مستنقعاً من الوحل ووابلاً من شتاء الظلم. يتكوم في قلبي أسى وحزن ودموع غير مرئية.

سيدة الكون وأميرته همّت بي ولم أنل منها غير عبير مؤقت وابتسامات مكسورة سببها ذكرى، أو قٌبلة من الخيال على شفاه مذاقها مرير.

جباه الفلاحين أصبحت أكثر سماراً من هزائم القهر المتكررة، شمس هنا أصبحت مثل شمس هناك مجرد كتلة ذهبية لا تبعث الدفء والسكينة في النفوس.

كثُرت العيون الزجاجية وأصبحت واضحة، النظرات الموجهة التي تقتلك كمشرط تلم في يدٍ مرتعشة لجراح ناشئ.

قطرات المطر البخيلة تضاجع الأرض البكر السمراء ولا يُخرج حباً ولا زرعاً، وكأن سنوات يوسف العجاف قعد عادت من جديد.

(3)

أبدو كسائح ضلّ وجهته أو زائر تاه ولا يحمل في طياته العناوين، كيف لي وأنا من ترعرع هنا في هذه البلاد وتجرعت جذوري من رحيق الصبر والخيرات.

أراهم يشيرون إليّ بأصابع غليظة كأني مخلوق عجيب غير سويّ يدعو إلى الكفر، الآن فقط أعرف معنى انتزاع الروح من الجسد، أرى تفسيراً واضحاً لآلام الشاة بعد أن تموت ويُسلخ جلدها.

اليوم أعود من هنا إلى هناك؛ كي أعيد ترتيب الأوراق وأصلي من أجلي وأجل شوارعها.
اليوم أحمل ما أتيت به وأرحل، ربما عاودت الكرّة من جديد عندما يثقل رأسي المزيد من الشعيرات البيضاء.

ربما استسلمت لشمس هناك الباردة، ربما استأنست ذلك الشعور الغريب بالموت وحيداً، ربما استكفيت بورقة بيضاء وقلم حبرُه أسود، أكتب لها، عنها وفيها، وأغازل ما تبقى فى جنباتها من يقين الماضي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.