المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رأفت رحيم Headshot

وكيف حال القاهرة بدونها؟

تم النشر: تم التحديث:

(1)
حتى البحر ظهرت عليه آلاء السقوط، أصبح وحيداً مثلي يكابد علامات الشيخوخة محاطاً بمبانٍ قبيحة.

الطريق من ميامي إلى سيدي جابر في هذا التوقيت من الفجر دائماً كان رائعاً، عندما أمتلك الكورنيش والشاطئ بمفردي.

الآن إحساس جديد بأن الحبال القوية التي كانت تربطني بهذا الشاطئ قد تقطعت وتلاشت.

طقوس ليلة السفر لم تتغير، نقوم بقص شعري فلا أجعله قصيراً فهي تحبه طويلاً لأسباب لا يفقهها إلا هي.

يكتشف الحلاّق شعرة أخرى بيضاء، جديدة، طويلة قوية قائمة بمفردها في عناد وتحدّ. أتذكر أول مرة أكتشف شعرة بيضاء في شعري وذهبت مهرولاً إليها بأن العمر قد ولّى ولم يبقَ منه قدر ما قد فات، ابتسمت نافية، وقالت: كلا، بل هناك أربع شعرات بيضاء وليست شعرة واحدة! آمنت لها واستسلمت فهي تعرف كل شيء، حتى عدد شعرات رأسي، فهي تعرفها أكثر مني.

(2)
انتهت التشطيبات والإصلاحات في محطة سيدى جابر، هي الأخرى تغيّرت وأصبحت أجمل.

لم أهتم من قبل بجمال الأشياء أو قبحها ولا أدري ما قيمة شيء جميل يتوسط القبح؟ صوت منادي القطارات الداخلي به ألفة معهودة.

لم أقابله ولا أعرف شكله، ولكني أحب أن أسمع صوته عندما ينادي عن قطار الإسكندرية المتجه إلى القاهرة القائم من على رصيف 3، أشعر بأنها رسالة خاصة بي وحدي.

أشعر أن هناك قاهرة أخرى يحجّ إليها كل البشر، أما أنا فلي قاهرة أخرى، خمرية حنين الماضي وصدق المبشرين، ناعمة كورقة شجر لمسها ندى الفجرية، برونزية كرمال عانقتها الشمس لعقود، سمراء بلون القهر ودعاء المظلومين، بسيطة، قوية، ضعيفة، عاقلة كالأم، مجنونة كالعاشقة، دافئة تبعث في نفسي قوة الجيوش وجسارة الفرسان.

(3)
أجلس على مقعدي متأملاً من الشباك منظر الحقول الخضراء الجميلة التي تتناقص مساحتها في كل زيارة.

أرغب في أن أقفز من القطار إلى تلك المزارع الخضراء، وأن أنطلق فيها مدافعاً عن قُدسيتها التي انتهكت من الكتل الخرسانية والطوب الأحمر.

كانت المزارع الخضراء دوماً وأبداً هي مثال المعجزات والبساطة بالنسبة لي، أرض طينية، حبوب، شمس ومياه، لمستها جميعاً قدرة الخالق فخرج هذا المنتج البديع، حتى هذا أصبح يتلاشى، وكأن الكتل الخرسانية أهم من المعجزات ولمسات الخالق السحرية.

4)
يصل القطار في سرعة غير متفق عليها، ربما شعرت بهذه السرعة اليوم؛ لأنني تمنيت عدم الوصول، كنت أصلي أن يصيب القطار عطل فني غير قابل للإصلاح يكون سبباً في إلغاء الرحلة، وأعود ضاحكاً على نفسي مقتنعاً بأنني قد حاولت وشرف المحاولة يكفي.

ولكنه وصل في ميعاده بالضبط، أصل إلى مدينة الرماد باحثاً عن النقطة الملونة لكني لم أجدها، أذهب إلى ذلك المكان الذي كانت تنتظرني فيه لأجده خالياً رغم زحامه بالبشر، كان ساكناً، هادئاً، صامتاً رغم الضوضاء وصفير القطارات.

أخذت التاكسي الأبيض كما قد أمرت، فالغريب مثلي لا يأمن غير التاكسي الأبيض ذي العداد.

أجلس في المقعد الخلفي أنظر خارج الشباك إلى بحور البشر، حياة أخرى وعالم آخر، أول مرة ألاحظ هذا الزحام، ربما تكون أول مرة أنظر من خارج شباك التاكسي. لماذا لم أنظر من الشباك بالماضي؟ لماذا ألاحظ الآن كل هذه التفاصيل؟ الرحلة من محطة مصر إلى الأوتيل لم تستغرق دقائق معدودة.

(5)
أدخل في غرفتي لا أفعل أي شيء سوى الجلوس على مؤخرة السرير المنظم، غرفة الفندق الآن مجرد أربعة جدران مؤقتة ليست بيتي وليست ملكي.

الهواء البارد الناتج عن التكييف ينتصر أخيراً بعد أن كان مهزوماً مغلوباً على أمره من اللحظة التي تطأ قدماها أرض الغرفة.

لمسة واحدة من يديها الصغيرتين تحول جبال الثلج إلى شموس ملتهبة.

أنظر إلى الأشياء المألوفة داخل الغرفة، ولكنها بدت غريبة عني، أنظر إلى النيل من الشرفة فإذا به غاضب منّي يعاملني بجفاء وكأنه أول مرة يراني.

أنام على الجانب الأيمن من السرير، وأترك الجانب الأيسر مرتباً منظماً آملاً في معجزة. في الثلث الأول من الليل، نزلت إلى كورنيش النيل، جلست على ذلك المقعد في نفس المكان، أتت بائعة الفل الصغيرة، ابتسمت لها ابتسامة الترجي "ألا تعرفينني؟ أنا من اشتريت منك ثلاث وردات بالماضي".

تجاهلتني هي الأخرى نفس تجاهل النيل وجدران الغرفة، أذهب إلى محل السمك.. الكشري.. هذه القهوة البسيطة في شارع قصر العيني.. الكافيه الآخر في التحرير.. الأوبرا..النادى الأهلي.. خان الخليلي.. محطة المترو.. تجاهلني الجميع وكأني أصبحت نسياً منسياً.

(6)
بحلول الثلث الأخير من الليل أصبحت أسمع أصواتاً قادمة من أضرحة المشايخ وأهل البيت، ومكتوبة على رسائل المحبين تأمرني بأن أعود من حيث أتيت، فهذه هي القاهرة بدونها، وعدت وحيداً كفرع يابس فتخطفه الرياح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.