المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رأفت رحيم Headshot

هل الجهل بجرائم الحكومات يُعتبر عذراً؟

تم النشر: تم التحديث:

قال صديقي بصوت جَهْوَرِيٍّ يرسم نبراته الغضب: كل من ساند الانقلاب من الكتّاب والممثلين والفنانين والمبدعين لا بد عليه أن يخرج على الملأ ويعتذر حتى يُقبل اعتذاره!
قاطعته مازحاً: ربما يجهلون أنه انقلاب!

لطالما تناقشنا في هذه النقطة عن علاقة المثقف بالسلطة وتعريف الوطنية ومتى كانت المعارضة خيانة. صديقي يمثل قطاعاً عريضاً من الناس، لن يغفر ويسامح العديد من المبدعين والفنانين. هل يجوز أن تحب في هؤلاء فنونهم وترفض مواقفهم السياسية؟ هل هناك فرق بين الفنان والإنسان؟ هل يحارب المثقف من أجل مساحته الشخصية فقط أم من أجل المجتمع الذي يحيا فيه؟ هذه نقاط مهمة ولها ثقلها في هذه النقاشات، التي لا نخرج منها عادة بنتيجة حاسمة ونهائية تُرضي جميع الأطراف.

تذكرت مزحتي مع صديقي باحتمالية جهل الفنانين بالانقلاب وأنا أشاهد فيلم (Judgment at Nuremberg) الذي يحكي عن محاكمة من المحاكمات العسكرية التي تبعت هزيمة النازي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. كانت هذه المحاكمة -قصة الفيلم- بالتحديد لوزير العدل والمدعي العام وقاضيَين. في أحد المشاهد الجميلة، نشاهد المتهمين في كافتيريا السجن يتحدثون في ذهول بعد إحدى الجلسات، ويسأل قاضٍ من المتهمين زميلاً له:

هل كنت تعلم أي شيء عن حرق اليهود؟ هل يعلم أي منكم عن معسكرات أفران الغاز التي تحدث عنها المدعي العسكري فى جلسة اليوم؟ هل قرأ أحد منكم شيئاً عن هذا؟

فيردّون جميعهم: لا طبعاً!

إذا قرأت في تاريخ النازي الألماني، فستجد أن هتلر وإعلامه بقيادة جوبلز قد جعلا ألمانيا في عيون شعبهم مهدَّدة بالخطر وأنها تحارب من أجل البقاء لا من أجل التوسع والجنون والنقاء العرقي. قدَّم الإعلام الهتلري مصطلحات مثل (العدو الخارجي والمؤامرات الداخلية والتحديات وعقبات البناء)، وكلها مصطلحات يُعاد تدويرها فى بلادنا الآن.

الفرق هو أن وسائل الإعلام حينها لم تكن كما هي في عصرنا هذا. إذا حدثت جريمة في أقاصي الشرق، شاهد أهل الغرب الفيديو بعد تنفيذها بدقائق. لقد شاهدنا حروباً مثل حرب الخليج على الهواء مباشرة. كم من مرة استمعنا إلى مسؤول كاذب وبعد ثوانٍ نقدم له دليل كذبه وإدانته؟

في الفيلم، دافع أحد القضاة المتهمين عن نفسه وقال إن كل الأحكام التي حُكم بها ضد المواطنين كانت تُملى عليه، وإنه كان يظن أن ما يفعله هو الوطنية الصائبة، وأن هؤلاء هم حقاً أعداء الوطن الذين يجب الخلاص منهم حتى تنعم البلاد بالرخاء والأمن والاستقرار.

كذلك، دافع جميع المتهمين عن أنفسهم إلا وزير العدل فهو الوحيد الذي لم يحاول الدفاع عن نفسه والهروب من المسؤولية. على النقيض، قال إنه يجب معاقبته؛ لأنه لم يسأل ويستقصي ويتحرى ويستخدم عقله ويعارض ويعرف الحقيقة؛ بل يجب معاقبة العالم والدنيا كلها معه؛ لأن هذا العالم وقف صامتاً عندما رأى طاغوتاً يكبر ويتوحش أمام أعينهم ولم يفعل أي شيء إلا بعد قتل 6 ملايين روح!

رسالة الفيلم وحبكته جاءتا على لسان المحامي الشاب الذي كان يدافع عن هؤلاء. كان يطالب بأنه لا يجب محاكمة ألمانيا كلها على جرائم الحكومة؛ لأن معظم الناس كانوا لا يدرون شيئاً عن هذه الجرائم. أي إن العُذر الوحيد هو الجهل بجرائم الحكومات. تُرى الآن وكل شيء مسجل صوتاً وصورة، ما هو عُذر الناس للحكومات المجرمة؟

بل السؤال الأصوب ما هو عذر الناس لأنفسهم؟ لماذا يشارك بعض الناس هذه الحكومات في إجرامها؛ أما صامتاً وإما مدافعاً عنها؟ لماذا يساعد السجين سجّانه ويحارب المقتول بجوار قاتله؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.