المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قتيبة ياسين Headshot

أحد عشر ألف طالبة وجدن جثة شقيقهن المعتقل

تم النشر: تم التحديث:

انتشرت قصة طالبة الطب التي فوجئت بجثة أخيها على طاولة التشريح في جامعة دمشق، انتشرت كقصة غريبة الحدوث في سوريا، بل وسارع البعض لنفيها بسبب غرابتها.

سأروي لك ما هو أغرب من ذلك، بل وروايتي موثقة بصور ووثائق وأسماء، هناك 11 ألف طالبة وجدن جثة أخيهن بالصدفة، بل كنّ مضطرات للنظر بتفاصيل الجثة المشوّهة والمورّمة التي غيّرت ملامحها من كثرة التعذيب للتأكد من هويتها، هن في الحقيقة لسن كلّهن طالبات طب، بل بعضهنّ أمهات وأخوات وبنات لأحد عشر ألف معتقل نُشرت لهم 55 ألف صورة بدقة عالية من عدّت جهات.

كان ذلك عندما هرّب الشاهد المسمى "قيصر" خمسة وخمسين ألف صورة لقتلى تحت التعذيب في أقبية الأسد، كان ذلك قبل انشقاقه، وهو الذي كان يعمل مصوراً، ومهمته كانت تصوير الجثث التي تأتي من أقبية التعذيب لتزويدها برقم خاص بها، قبل أن يتم تجميعها في غرف ليصار بعدها إلى حرقهم أو دفنهم في مدافن جماعية.

لا أتحدث لكم هنا عن تكهّنات، فقط اكتب في محرك البحث جوجل: "صور التعذيب للشاهد قيصر"، وسترى ما تقشعر له الأبدان.

أنا أيضاً كنت مثلك لا أعرف هول ما أحدثك عنه هنا، أي أن ترى الأم جثة ابنها أو ما تبقى من ابنها على فيسبوك كصورة مسربة من معتقلات النظام، ناهيك عن باقي العائلة من أخوات وأبناء وآباء، إلى أن رأيت إحداهنّ وهي أخت صديقي، عندما قررت التجرؤ والبحث بين تلك الصور عن زوجها المفقود في إحدى التظاهرات السلمية في بداية الثورة، وقد وجدته في تلك الصور المسرّبة التي تم نشرها على دفعات في أحد المواقع، ثم نقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي وبقي الكثير منها دون نشر في عهدة محكمة الجنايات الدولية ومراكز التوثيق الأوروبية.

تخيّل معي أن تبحث امرأة بعد خمس سنوات بين صور الجثث المشوّهة؛ لتعرف هل هي متزوجة أم أرملة؟

وهل تنتظر أحداً سيخرج يوماً ما أم تستمر بالحياة دونه لأنه توفي؟!

وفي النهاية تجد الصورة لتجلس في العدة، عدة وفاة زوجها، يخالجها شعور بالحزن مشوباً بالراحة بعد أن علمت أنه توفي، وانتهى من حفلات التعذيب اليومية.

شعور أنها عرفت النهاية، ولم تعِش بقية عمرها تنتظر شخصاً ميتاً، لن يأتي أبداً لا هو ولا هم سيرجعون جثّته التي تخلّصوا منها.

شعور كانت ستدفع ثمنه كل ما تملك من نقود لأحد المقربين من النظام؛ لتعرف مصير زوجها، والآن عرفت ذلك ببحث ساعات بين الصور التي نشرها أحد المواقع الخاصة بذلك.

لن أضيف لكم قصة أختها التي اعتقلها نظام الأسد؛ لتخرج وتموت بعد أسبوع واحد كمداً وحزناً مما فعلوه بها داخل المعتقلات، لكن السؤال هنا: ما هو الغريب وغير المصدّق في قصة طالبة الطب السالفة الذكر؟

إذا علمت أن هناك أكثر من نصف مليون معتقل يبيع أهاليهم ممتلكاتهم لتقديمها رشاوى للأمن كي يعرفوا فقط مكانهم وفي أي فرع أمني، وهم مستعدون لدفع كل ما يملكون مقابل أن يخرجوا.

هل سمعتم بأم تدعو بعد كل صلاة أن يموت ابنها المعتقل في أحد الأفرع الأمنية؟ أنا سمعت، كانت أم أحد أصدقائي؛ لأنها تريد الراحة لابنها بعد أن سمعت عن حجم العذاب الذي يصيب مَن هم في ذلك المعتقل، وفي النهاية لا يخرج أحد منه حياً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.