المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قتيبة ياسين Headshot

المكدوس قبل الأسد

تم النشر: تم التحديث:

تقول الأسطورة «إن أحدى اللاجئات السوريات في مصر صنعت المكدوس، وأرادت أن تذيق جارتها المصرية هذه الأكلة الشعبية المكوّنة من "الجوز، والباذنجان، وزيت الزيتون، والفليفلة الحمراء، والثوم، والملح"، وعندما عرفت هذه الجارة المصرية بكل هذه المكونات في طبق واحد قالت لها على سبيل السخرية: "لـمِّا إنتو بتحطوا كل دُوْل بطبق واحد ومَّال طلعتو ثورة ليه؟!"؛ أي: إذا كنتم تستطيعون أن تضعوا كل هذه المكونات الغالية لتصنعوا وجبة واحدة فلماذا خرجتم بثورة؟!».

تنتهي هنا النكتة وسط ابتسامات رواتها التي تخبرك أننا "كنا عايشين و"مو ناقصنا شي!"

ولكن..

غاب عن الجارة السورية أن تخبر جارتها المصرية عن أكلة "مرتديلا سومر"، هذه الوجبة التي دخلت بيوت المواطنين في سوريا في تسعينيات القرن الماضي لتعوِّضهم عن نقص اللحمة التي لا يراها المواطن، وأصبحت المرتديلا المصنوعة من أوساخ اللحوم الطبقَ "رقم واحد" في كل بيت، ورافقت السوري في لجوئه حتى لتراها في تركيا ومصر وحتى أوروبا، وليتك تفسر للأتراك ما هذه المعلبات التي يشتريها السوريون، ولماذا يشترونها بكثرة؟ وغاب عنها أن تخبرها عن طبخة الأندومي الشعبية في سوريا.

غاب عنها أن تخبرها عن اللحم المستورد غير معروف المصدر وغير معروف اللون، والذي غزا الأسواق السورية حيث يقوم الجزار بطحن رئتي الخاروف ودهنته مع هذا اللحم ليصبح بطعم الكباب وليصدر رائحة كرائحة الشواء.

غاب عنها أن تخبرها عن الفروجة المشوية التي تعدُّ من الوجبات السريعة في كل بلدان العالم إلا في سوريا فإنها تعد وليمة كبيرة!

غاب عنها أن تخبرها أن الفروجة المشوية الواحدة تكلف العامل البسيط 20 % من أسبوعيته قبل الثورة، وهي 500 ليرة من أصل 2500 ليرة راتبه الأسبوعي "أي: الجمعية".

غاب عنها أن تخبرها عن أزمة المحارم وأزمة الموز الذي عرفه السوريون في التسعينيات، ولـمّا عرفه عرفه كسيِّد المأكولات، فلا يزور إلا موائد السادة، ولم تخبرها أن المواطن لم يعرف بقية أنواع الفاكهة إلا في موسمها.

غاب عنها أن تخبرها عن الاتصالات التي تكلف المواطن 15% من مرتبه، وهي تكلف 2% من دخل الفرد في كل بلدان العالم.

غاب عنها أن تخبرها عن السيارات التي تعد إحدى أقصى أحلام المواطن السوري ومَعْلماً للرفاهية، حيث تلحقها الدولة بضريبة رفاهية، والسيارة عبارة عن كتلة حديد في كل بلدان العالم.

غاب عنها أن تخبرها عن دور الخبز الطويل أمام الأفران، وعن دور السكر والرز أمام المؤسسات الاستهلاكية، وغاب عنها أن تصفَ لها شكل المواطن وهو يحمل دفتر البونات مع كيس الخيش الأبيض لحمله على الرأس بعد ملئه بالسكر أو الرز.

غاب عنها أن تخبرها أن كثيراً من العائلات السورية التي تصنع المكدوس قد أصبحت تضع فستق العبيد بدل الجوز، وتضع زيت الذرة بدل زيت الزيتون، وذلك بسبب غلاء مكوِّناته الأساسية، وعدم قدرتهم على شرائها مع عشقهم لهذه الوجبة.

غاب عنها أن تخبرها أن المكدوس بشكله الذي تذوَّقته موجود قبل وجود الأسد على موائد السوريين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.