المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

قاسم محمد القاسم  Headshot

إن وقعت الكارثة سنلتقط إخوتنا من بغداد

تم النشر: تم التحديث:

من أقوى النُّكَت السياسية التي يتداولها المجتمع العربي عن اجتماع جورج بوش، الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية، مع توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق؛ حيث خرجا بعد الاجتماع للإدلاء بتصريح صحفي جاء فيه: "سنقتل مليون عربي وطبيب أسنان واحداً؛ ليسارع الصحفيون بالسؤال لماذا طبيب أسنان واحد؟ ابتسم جورج بوش، وقال لبلير: قلت لكَ لن يهتموا بالعدد الكبير".
هذه النكتة من نسج الخيال، إلا أنها تعكس واقعاً مريراً بصورة مبطنة، كما تحوي بين ثناياها وجعاً اُكتنز من الماضي البعيد؛ ليحط رحاله بين رحى الموت العاصف في سوريا.

سوريا التي اعتادت خلال السنوات الست الماضية تصدر كل مدينة منها شاشات التلفاز لتحقيق أغراض معينة تخدم مصالح الأطراف المتنازعين على الأرض، حيث كانت منذ بضعة شهور حلب ثم دمشق واليوم الرقة.

مدينة الرقة أو "الصخرة المسطحة" حسب الأبجدية العربية، تقع شمال وسط سوريا بعيدة عن حلب 200 كم شرقاً، تستلقي على الضفة الشمالية لنهر الفرات، هذا النهر الذي يعبر ست مدن سورية وثلاث عشرة عراقية، يهدد أرواح من اعتمدوا عليه طويلاً في الشرب والزراعة وتوليد الكهرباء من خلال السدود المقامة عليه، وأهمها سد الفرات في محافظة الرقة، حيث يبلغ طوله 4٫5 كم وارتفاعه 60 م، يحجز خلفه بحيرة الأسد التي يبلغ طولها 80 كم، ومتوسط عرضها 80 كم.

يتباكى اليوم على جدار سد الفرات آلاف البشر خوفاً من الخطر المحدق به، والناجم عن عمليات القصف التي يقوم بها التحالف في محيطه، بحجة محاربة تنظيم داعش، سد الفرات الذي تحول خلال الأيام الماضية إلى حائط المبكى نتوسل عنده ألا يسقط، في حين سبق خطر انهياره أعداد كبيرة من الشهداء المدنيين الذين سقطوا في المدينة المنسية "دير الزور" التي يقبضها داعش بمخالب لا تنكفئ.

لا يهم الكثير من السوريين خصيصاً أبناء المناطق المحيطة بالسد أهداف إنشائه، لا كهرباء تنفع دون من يستهلكها، ولا مشاريع زراعية دون سواعد تحرث وتروي وتبذر تلك الأراضي حتى لا يعيروا انتباهاً إلى أن الفرات بسده أحدث واستصلح مناطق زراعية جديدة، ما يشغلهم اليوم هو القيامة التي ستقع في حال خذلهم السد بسقوطه وجرفه لبواكير ذكرياتهم؛ لأن الكل يعلم إن وقعت الكارثة سنلتقط إخوتنا من بغداد.

ولنا في سد زيزون ذكرى سوداء، عندما أدى خلل عمليات الصيانة لانهياره في عام 2002، وتسبب في تشريد مئات العائلات من أبناء مدن سهل الغاب في مدينة حماة، حتى إن سكان مدينة جسر الشغور التي تقع في محافظة إدلب لاحظوا ارتفاع منسوب نهر العاصي بشكل غير مسبوق، وازدياد سرعة جريانه، جارفاً معه أسطوانات غاز وأجهزة كهربائية من سهل الغاب باتجاه مدينتهم.

عام 2002 كانت سوريا تنعم بالأمن والرخاء دون حروب، رغم ذلك احتاجت الدولة السورية لمساعدة العديد من الدول لتقديم الاحتياجات الأساسية للمتضررين من انهيار سد زيزون، لكن في حال سقط سد الفرات مَن سيكون بعون الناجين؟ أو أن العملية ستكون أسهل؛ لأنه لن يكون هناك ناجون! أم أن طائرات الإغاثة ستصطدم مع المقاتلات الحربية إن أتت؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.