المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة جمال حجو Headshot

لن أتزوج فتاة عاملة

تم النشر: تم التحديث:

قد يحيل العنوان جلَّ القراء إلى فكرة أن كاتب المقال متشدد متغطرس، إنما الأمر غير ذلك تماماً، فأنا شخص معتدل بمبدأ لا إفراط ولا تفريط، كل ما في الأمر أنني أرفض لزوجتي عملها وليس الرفض من باب نظرة المجتمع للمرأة العاملة أو ما شابه ذلك، وإنما كوني أريد حياة كريمة لها، هذه المرأة ستكون أماً لأولادي.

لا فكرة تتولد في الذهن دون أسباب، وفكرتي ولدتها قصة شاهدتها على مسرح الواقع.

سيدة محترمة تعمل في إحدى الإدارات الخاصة متزوجة ولها أبناء، ولها أيضاً زبائنُ تقابلهم يومياً، كنت أتردد دورياً على تلك الإدارة فلم أذكر يوماً ذهبت فيه إلا ووجدتها تُضْمِرُ في نفسها قلقاً واستياءً، فقد كانت عُرضة للتعامل الفظ من معظم الزبائن، في أحد الأيام وجدتها تذرف دمعاً، مسؤولها في الإدارة عاملها بقسوة بالغة وعدوانية شديدة، أهانها أمام الملأ.

لقد حز كثيراً في نفسي ذاك المشهد، وتخيلت نفسي بدل زوجها، هل يمكنني التحمل لو كانت تلك المرأة زوجتي؟ ماذا لو علم زوجها بذلك؟ ماذا لو عاين المشهد؟ هل تخبره بما يجري لها يومياً أم أنها تكظم مشاكل عملها لنفسها؟

أقوى نقطة تجعلني أتشبث برأيي هي مشاكل العمل، فأنا يا صديقي لا أقبل أبداً أن تهان امرأتي في عملها سواء من رب عمل مزاجي متعجرف أو من زبون غير خلوق أو غير ذلك.. وستهان حتماً أية عاملة ولو بكلمة فظة قبيحة أو نظرة عابسة أو تأفف.

دعنا من هذا كله.. نذهب إلى نقطة أخرى وتساؤل مشروع: هل سيحظى أبنائي برعاية أمهم في غمرة العمل والمشاغل؟ هل غيابها لثماني ساعات أو يزيد عن البيت لن ينتج فراغاً؟ بلى سيكون الفراغ جسيماً.. وحين تعود إلى البيت فإنها لن تحس بالراحة.. أوَليس البيت موطن الراحة ومفرغة التعب؟ حين تعود لن نستمتع بالجلوس إليها طويلاً.. لن نتسامر عميقاً ولن نتبادل الذكريات الجميلة سوية.. لن نستمتع بطهيها لن أستمتع بتلخيصها لما قرأت من كتب وروايات.. لا وقت لديها للقراءة.. الوقت قاتل يا أصدقاء.. سيف كما قال أحد الحكماء الأولين.. في نفسها مقعد المطالعة شاغر.. نفسها أيضاً منهكة متذمرة من الزحمة المرورية ومن حرارة الطقس وتعب الجسم وهلم جراً.. كل ذلك لا يروق لي.

اليوم وفي مجتمع تغير.. جل الناس بات يرى الأمر عادياً.. وكيفما كانت طبيعة وظيفة الزوجة فلا يهمهم، ما يهمهم هو أن تشتغل وتأتي بالراتب.

أعاديّ أن تمضي زوجتك أكثر من ثماني ساعات خارج البيت تكابد وتناضل وتعرق وتتنهد؟ أعادي بعد هذه الثماني ساعات تُمضي أخرى في الشطف والغسل والطبخ؟ أنا لا أريد حياة ضنكاً لشريكة حياتي، لا أريدها أن تعيش السرعة أريد أن تستمتع بكل لحظة تقضيها في بيتي.. مستعد أنا أن أعمل لتأمين كل الحاجيات، إن اضطرني الوضع إلى عمل إضافي فلا ضير.

العمل هذه الأيام مضنٍ متعب يا صديقي، بات مرهقاً لنا حتى نحن كشباب في مقتبل القوة، فكيف بامرأة أو ربة بيت، لها أطفال، ووصفات وملابس تصطف أمام آلة الغسل، وأوانٍ تنادي، معقول أن تتحمل كل هذا الشقاء؟ لا.. تأكد أن ذلك سيكون على حساب صحتها وأبنائها وبيتها ومزاجها، بل وحتى ربها؛ لأن وقت العبادة يكون قد تقلص في غمرة كل هذا الشقاء الذي تواجهه يومياً.

أنا لا أمانع بل أشجع زوجتي إذا اختلقت مشروعاً لنفسها، إذا اختارت أن تعمل حرة عند نفسها، إذا غطت وقت فراغها بهواية تشغلها؛ لأنها وقتئذ ستكون متحكمة جداً في تسيير حياتها، أما أن تشتغل في وظيفة أو تحت إمرة مسؤول.. فلا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.