المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة جمال حجو Headshot

جزائسطين.. ألا ليتني كنتُ فلسطينية

تم النشر: تم التحديث:

أعذروني فقد كتبت هذا المقال بقلبي فأجبرني أن أكون ذاتياً في الكتابة، في القلب أسى، وفي الحلق غصة مما يحدث بالأقصى المبارك.

وأنا أقلب صفحات فلسطين في خَلَدي، ألْفَيْتُ موقفاً لا يمكن أن يُمحى من ذاكرتي مهما تقدمت بها السنون، وطالها النسيان يوم غَـدَا المشاغب الأكبر في ثانويتنا بطلاً يحبه الأساتذة والتلاميذ، بل وحتى المدير نفسه، في تلك الساحة الصغيرة، نارٌ مُضْرمةٌ على العاشرة صباحاً.. تكبيرات وهتافات، فالفتى المشاغب أتى بعلم إسرائيل ثم أحرقه حرقاً تحولت فيه النجمة البائسة رماداً أسود، ما زلت أذكر التاريخ جيداً.. 19 يناير/كانون الثاني 2009 مباشرة بعد هجومٍ على غزة سمي حينها معركة الفرقان.

قبل اليوم ذاك بأعوام، خميسٌ مشمس، وحشدٌ كبيرٌ من الناس، هتافات أكبر من تلك التي تركتها بساحة الثانوية، مسيرة شعبية حاشدة في شوارع تلمسان مدينتي، كل المشاة صوت واحد مستنكر لما يحدث في غزة وفلسطين..

كنت صغيراً ربما، لم أنضج سياسياً بعدُ، لكنني كنت مجبولاً على فهم قضية فلسطين بقلبي لا بعقلي، فمذ جئت إلى هذه الحياة، والحديث دائر من حولي عن تلك الأرض، والأحداث تردد على مسمعي مراراً.

حتى الإمام في صلاة التراويح.. في دعاء القنوت إذا ما قال: اللهم انصر إخواننا في فلسطين، فإن المسجد يتزحزح عن مكانه من قوة الاستجابة.. آمين.

لم أكن أعرف يومها شيئاً عن انتفاضة الأقصى، مع نهاية عام 2000 أفرد الناس في بلْدَتِنَا حيزاً هاماً من كلامهم للحديث عن طفل ذي اثنتي عشرة سنة كان يحتمي بأبيه وكانا يحتميان معاً ببرميل قديم، أطلق نحوهما وابل من الرصاص ثم أطلق الوالد حشرجة صوته منادياً: "مات الولد" فارتمى الطفل على ساقي أبيه شهيداً.

كان مشهداً حفر في رأسي كما نُقِشَ رسمٌ تاريخيُّ على حجر قديم..

قلت لنفسي يومها: لماذا لم يمت الوالد ومات الولد؟ في التفاتة مني إلى احترام التسلسل المنطقي..
شاب فلسطيني يحمل في يده حجارة صغيرة ليدرأ بها السوء عن نفسه.. لقطة مقيمة في ذهني كأنها استقرت لتريني ما في نفوس الفلسطينيين من صمود وقوة..
في صغري كنت أسجل مواقفَ دون فهمها، أما بعد نضجي فأنا أسترجع المادة الخام التي بداخلي لأفهم بعمق أكبر..

أسترجع مشهد القوم في بلدتنا الصغيرة صباحاً، يعلقون ويتداولون التفاصيل حول مسلسل التغريبة الفلسطينية، وقد كان يبث ليلاً كي يترك لمتابعيه لذة استعادة وقائعه مع طلوع شمس الصباح، يتحدثون عن بوصالح البطل وخضرا وحسان وعلي وووو..

أيضا كنت مخلصاً لدرجة لا تتصور، كنت أنتظر يومياً جميلة؛ لأن حسان كان يحبها بنبل، ويوم خطب فيها بفلسفته (كولي للشمس مش منيح تطلع مالشرك.. كولي لوجهك مش منيح يكون حلو) صرت أترقب مجيئها أكثر، قفزت من السرير حماساً مرات عدة إشادة بمواقف بوصالح الرجولية، لما ضرب شيخ الكتاب ولما نكز السفاح ووو..

كنت أستشعر الأدب حين يتدفق من بين شفتي "علي" الراوي الذي يحكي قصة بدوي فلاح فقير وموهوب في رحلة شاقة مضنية من هذا العالم البائس، كنت وكنت وكنت وإلى غاية اليوم بقيت..

بقيت وفياً لنصرتي، محباً لفلسطين وترابها، وبقيت مقشعر البدن إذا ما سمعت شيئاً عن هذا البلد الطاهر.. هناك قشعريرة تملكت بدني لن أنساها:
المشهد: نهاري داخلي.
الزمان: العام الماضي.
المكان: ملعب 5 جويلية.. الجزائر.
الحدث: مباراة ودية بين الجزائر وفلسطين.
أبطال الواقعة: أنصار جزائريون، ثمانون ألفاً أو يزيد، نساء رجال شيوخ أطفال وحمام بيض.. زغاريد.. علم فلسطين مرسوم على الوجوه طلاءً.. وأصوات هكذا لحنها باللهجة الجزائرية: "فالاسطين فالاسطين فالاسطين الشوهادا فالاسطين الشوهادا فالاسطين".. أي فلسطين الشهداء..
المميز: كما لم يحدث من ذي قبل، الجماهير تشجع الفريق الخصم، يكفي أنه جاء من بلاد عزيزة..
النهاية: فوز الفريق الضيف على أهل الدار..
الجميع صاح طرباً.. أما تلك المرأة الستينية بلباسها الأخضر فولولت وولولت.. وقبَّلت العلم وابتهجت في حبور، هي حتماً لا تلقي بالاً بكرة القدم، إنما عشقها لفلسطين فعل بها كل هذا..

وغير بعيد، فنانة فلسطينية تعتلي الركح، فترد عليها أصوات الحاضرين، فلسطين الشهداء.. بنفس اللحن..
جزائسطين (الجزائر - فلسطين) حالة وجدانية خالصة، لا يمكنها أن تعيش بين ثنايا أحرف، أو أن تحبس تحت النقاط، حب أبدي تذكيه المقولة الخالدة: "مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

على فيسبوك تلقيت طلب صداقة من جزائرية تضع عَلَم فلسطين صورة لبروفايلها، سألتها عما إذا كانت فلسطينية فقالت: يا ريت، يا ليتني كنت فلسطينية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.