المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة باجي Headshot

المراهقة بين الوهم والحقيقة

تم النشر: تم التحديث:

المراهقة في اللغة العربية هي من كلمة راهق، وتعني الاقتراب من شيء، أما في علم النفس فهي تشير إلى اقتراب الفرد من النضوج الجسماني والعقلي والاجتماعي والنفسي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مرحلة المراهقة لا تعد مرحلة نضوج تام، بل هي مجرد مرحلة تؤدي تبعاتها وأحداثها إلى النضوج، وهي الفترة العمرية المُمتدة من سن 15 إلى 21، وهي فترة متقلبة وصعبة تمر على الإنسان، وتكون بمثابة الاختبار الأول له في حياته الممتدة؛ حيث إن مستقبل الإنسان وحضارة الأمم تتأثر كثيراً بمراهقة أفرادها.

والفرق بينها وبين والبلوغ، ذكرنا أن المراهقة هي تغيرات جسدية وعقلية وعاطفية واجتماعية، أما البلوغ فهو تغير جسدي يدل على أن الفرد أصبح قادراً على النسل، بمعنى آخر البلوغ هو مرحلة فرعية ضمن مراحل المراهقة، وعادة يكون أولى العلامات الدالة على بداية فترة المراهقة، هناك مَن يعتبر أنهما مترادفان، فالبلوغ يعني المراهقة، وهناك مَن يعتبر أن البلوغ هو العلامة المتميزة كبداية مرحلة المراهقة، ومنهم مَن يعتبر أن المراهقة أعم، فالبلوغ يختص بالنمو الجنسي أو النمو العضوي والجنسي، والمراهقة تشمل ما سوى ذلك.

من المنظور الإسلامي لا نرى ما يُسمَّى بمرحلة المراهقة كلفظ شرعي، ولم يرد عن رسول الله ولا صحابته ولا أعرف أحداً من السلف قالها لفظاً، ذلك المسمى الذي نُطلِقُه على القالب الخانق الذي نضع داخله أبناء المسلمين عَنوةً؛ لنبرر عدم فهمنا لهم، وسوء تواصلنا معهم.

وهي فكرة في الحقيقة مستوردة، غريبة عن المنهج الإسلامي؛ إذ تُعامل المسلم كمريض يُعاني هَلْوساتٍ عاطفيةً ونفسيَّةً، ولا تؤاخذه على كثير من أخطائه، في حين أنه صار مكلَّفاً، وذلك لأن تلك المراهقة المزعومة تتَّسِعُ إلى ما بعد البلوغ.

بالعودة إلى المنظور الإسلامي، نرى أن هناك الطفولة، والبلوغ ("بلغت المحيض"، "بلغ الحلم")، والشباب.. وغيرها من المراحل المعروفة.

فنرى الطفولة في الإسلام مرحلةَ رحمة واسعة من الله، جعلها للإنسان يتدرب على الطاعات، ويؤجر دون وزر، ومع ذلك نجد الصبيَّ فيها يَؤُمُّ الرجال، ونجد أنه يُثاب على الطاعات.

يؤمر فيها بالصلاة لسبع، وهنا إشارة إلى بداية التمهيد للتكليف، ويصلي قبل تلك السن بالتعويد ومتابعة الأهل - قدر الإمكان - بلا توبيخ أو مشقة.
ثم يبدأ سن الفهم الملموس للعقوبة، وهو الضرب لعشر؛ أي: إنه هنا يحتاج إلى فهم وإدراك جزاء التقصير.

ثم يأتي البلوغ ونعلم أن ذلك بقدر الله، فلا يبلغ جميع البنات والصِّبية لنفس العمر، تختلف بين الأنواع وبين أفراد النوع نفسه، وذلك من حكمة الله.

وقد يجد بعض الآباء صعوبةً في قيادة دفَّة التعامل أثناء هذا التحول؛ لأنهم لم يوفِّروا للطفل حقَّه (الكامل) في الاحترام أثناء طفولته، وبالتالي: يحدث ارتباك بين الآباء والأبناء، نتيجةً للاحتياج إلى وضع قواعد جديدة للتعامل، مع مساحة إضافية من الحرية للأبناء في اتخاذ القرارات، وقد يكون الآباء مَكْمَنَ المشكلة؛ لأنهم غيرُ مستعدِّين لفهم هذا التغيير، ولم يجهزوا أبناءَهم له تَبَعاً للتدريج الشرعي، فهم كانوا - وما زالوا - مسؤولين عن أبنائهم، لا مسيطرين مقيدين.

فإن كان الطفل قد حصل على حقِّه في الاحترام منذ طفولته، وعرف ما له وما عليه في كل مرحلة، لصار التعامل مع هذه المرحلة محورُه فهمُ التغيرات في الشعور، والتركيز على المرور بها بسلام - إن شاء الله - من خلال النصح الإسلامي.

تواجه كثيراً من الأسر مشكلاتٌ في هذه السن؛ نتيجةً لعدم تفهُّم الوالدين لاحتياجات وضوابط سن التكليف.

فينكر الأبوان على ابنهما أو بنتهما احتياجاتِهما، فيعتبرانهما غيرَ واعين، غير مكتملين، وغير ناضجين، فيقابلانهما بحرمان، أو إطلاق العِنان للممارسات غير المشروعة بدعوى (نصاحبهم ويعملون أمامي أفضل من ورائي).

وذاك أحدُ القوالب النمطيَّة التي تخنق الأمةَ وتُثْقِلُها، ولكَمْ عانى بسببها المسلمون من الرذائل.

المشكلة أنهما لم يعداه ليكون ناضجاً، ومكتملَ الفهمِ في هذه السن، فالخطأُ الأساسي يرجع إليهما.
فتُفاجِئُه احتياجات لم يعلم بها بهذه الصورة من قبلُ، فلا هو قادرٌ على التعايشِ معها كطفل ولا كبالغ.
فالأطفال لا يأبهون؛ لأنهم لا يشعرون بتلك التغيرات، والرجال والنساء - المكتملين مجتمعياً - يتفاعلون مع احتياجاتهم بالشكل مقبول من المجتمع.

أما هو، فيعيش حائراً، فنضعه في إطار: لا هو غير مكلف فلا حرج عليه، ولا مكلَّف وله حقوق المكلفين، والواقع الإسلامي ليس كذلك، فالإسلام كفل حق الرحمة والاستيعاب لتلك الاحتياجات الناضجة.
وقد نجِدُ أنجح الأسر - مجتمعياً - في الغالب هي التي استطاعتْ تطويعَ ولدها على تناسي تلك المشاعر
ونحتاج إلى وقفة هنا:
(رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظَ، وعن الصبي حتى يحتلمَ، وعن المجنون حتى يعقلَ) رواه علي بن أبي طالب في صحيح أبي داود.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام غاية في الحكمة للوقاية من خطرها قبل وقوعها، ومن ذلك:
1- التربية على حسن الأخلاق، وتحفيظ الطفل القرآن في أوائل عمره.
وإدخال كلام الله تعالى في صدر الطفل في أوائل عمره من شأنه أن يطهِّر قلبه وجوارحه، وخاصة إن صار حافظاً لكتاب الله تعالى قبل بلوغه فترة المراهقة، ولا شك أنه سيكون متميزاً بذلك الحفظ في المجالس، والمساجد.

قال الشيخ صالح الفوزان، حفظه الله:
فإذا بلغ الطفل سن التمييز فإنه حينئذ يؤمر والده بأن يعلمه وأن يربيه على الخير بأن يعلمه القرآن، وما تيسر من الأحاديث، ويعلمه الأحكام الشرعية التي تناسب سن هذا الطفل بأن يعلمه كيف يتوضأ وكيف يصلي، ويعلمه الأذكار عند النوم وعند الاستيقاظ وعند الأكل والشرب؛ لأنه إذا بلغ سن التمييز فإنه يعقل ما يؤمر به وما ينهى عنه، وكذلك ينهاه عن الأمور غير المناسبة ويبين له أن هذه الأمور لا يجوز له فعلها كالكذب والنميمة وغير ذلك، حتى يتربى على الخير وعلى ترك الشر من الصغر، وهذا أمر مهم جداً غفل عنه بعض الناس مع أولادهم.. سن المراهقة مفهوم غربي؛ لأن الشباب من سن 14 إلى سن 20 يقال عنهم "مراهقون"، انظروا إلى شباب تاريخنا:

* عبد الرحمن الناصر - 21 سنة:
كان عصره هو العصر الذهبي في حكم الأندلس وقد قضى فيها على الاضطرابات، وقام بنهضة علمية منقطعة النظير؛ لتصبح أقوى الدول في عصره حتى تودد إليه قادة أوروبا.

* محمد الفاتح - 22 سنة:
فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية التي استعصت على كبار القادة حينها.

* أسامة بن زيد - 18 سنة:
قاد جيش المسلمين مع وجود كبار الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بكر وعمر؛ ليواجه أعظم جيوش الأرض حينها.

* محمد القاسم - 17 سنة:
فتح بلاد السند، وكان من كبار القادة العسكريين في عصره.

* سعد بن أبي وقاص - 17 سنة:
أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان من الستة أصحاب الشورى، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشير إليه قائلاً: "هذا خالي فليرني كل امرؤ خاله".

* الأرقم بن أبي الأرقم - 16 سنة:
جعل بيته مقراً للرسول -عليه الصلاة والسلام- 13 سنة متتابعة.

* طلحة بن عبيد الله - 16 سنة:
أكرم العرب في الإسلام، وفي غزوة أحد بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الموت، وحماه من الكفار، واتّقى عنه النبل بيده حتى شلَّت يده ووقاه بنفسه.

* الزبير بن العوام - 15 سنة:
أول من سلّ سيفه لله في الإسلام، وهو حواريّ النبي صلى الله عليه وسلم.

* عمرو بن كلثوم - 15 سنة:
ساد قبيلة تغلب وقد قيل عنها "لولا نزول الإسلام لأكل بنو تغلب الناس".

* معاذ بن عمرو بن الجموح - 13 سنة، ومعوّذ بن عفراء - 14 سنة:
قتلا أبا جهل في غزوة بدر، وكان قائداً للمشركين حينها.

* زيد بن ثابت - 13 سنة:
أصبح كاتب الوحي وتعلم السيريانية واليهودية في 17 ليلة، وأصبح ترجمان الرسول صلى الله عليه وسلم، حفظ كتاب الله، وساهم في جمع القرآن.

* عتاب بن أسيد ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعمره 18 عاماً.

وجهة نظر:
أتمنى حذف مصطلح "مراهق" وزرع الثقة والعزة في نفوس أبنائنا، والتذكر أنه متى ما بلغ الحلم فقد جرى عليه القلم، ويُسأل عن أفعاله أمام الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.