المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أميمة مشماشي Headshot

عزيزتي المحسودة دائماً.. هذه الكلمات لكِ

تم النشر: تم التحديث:

يبدو مثيراً للسخرية حقاً أمر أولئك الذي لا نعلم عن وجودهم شيئاً ولا نتذكر حتى أسماءهم، لكنهم يشعرون باستمرار أنهم مراقبون، وأن حياتهم محط اهتمام للجميع، ولنا رغبة دائماً في معرفة أخبارهم وأسرارهم، كأننا سنترك ما يحصل في العالم من دمار وحروب وانتخابات وخطابات وقرارات ونبدأ بالحديث عنهم لساعات بشغف.

إنه من الضعف أن نقوم بأي خطوة في حياتنا ونشعر أن غيرنا يتمنى فشلنا، وننتظر منه أن يهنئنا عليها، ويسألنا كيف قمنا بها؟ أن نسافر لمكان ما مثلاً وننتظر عند عودتنا من الجميع أن يتهافتوا لسؤالنا كيف مرت؟ لتهدئي قليلاً عزيزتي؛ لأن صديقتك عندما لم تبارك لك خطوبتك هذا لا يعني أنها غارت منك، بل لأنها لا تعلم كيف ومتى تمت خطبتك، وجارتك التي تقبّل ابنك بحب وتداعبه هي لا تكنّ لك كراهية عميقة؛ لأنها أنجبت البنات فقط، وابنة عمتك المطلقة تتفقد أحوالك من الحين للآخر وتزورك؛ لأنها تحبك، وليس لأنها تريد إيقاع زوجك في شباكها.

أختك الكبرى التي لم تتزوج بعد هي لا تحسدك؛ لأنك أصغر منها وتزوجت، ولا تنتظر الشفقة منك عليها، كأن يداً أو قدماً تنقصها، فهي فقط لم تجد شخصاً يناسبها بعد، وتشفق على حالك أنت كل ما طلبت منك الخروج معاً ورفضت لضيق الوقت بين عملك وأولادك وبيتك.

صديقتك لم تعد تتصل بك؛ لأنك أنت التي لم تردّي على اتصالاتها الكثيرة، وليس لأنها تحسدك على خطيبك المثقف الوسيم، وأخت زوجك لم تضع إعجاباً على صورتك أنت وزوجك في الفيسبوك ليس لأنها تكرهك، بل لأنها لم ترَها حقاً.

ليس من الضروري أن ننبهر عندما نسمع أنك حامل في توأم؛ لأن هذا أمر حصل مع الكثير من النساء فوق هذا الكوكب، ليس ضروريا أن نبكي من الرومانسية عندما تحكين لنا عن المفاجأة التي أحضرها لها زوجك لمرور خمس سنوات وشهرين ويوم وثلاث ساعات وتسع دقائق وثانيتين على تعارفكما.. حتى الصورة التي شاركت على الإنستغرام مع أم زوجك وكتبت "أمي الثانية" لا تنتظري منا تعليقات مليئة بالقلوب؛ لأن الأمر لا يهمنا، وتجاهلنا لا يعني أننا نحقد عليك وعلى علاقتك الجيدة بها.

كفاك اعتبار نفسك دائماً محسودة، وأنت تتفوقين على الآخرين بشيء ما، بعملك الذي تحصدين من ورائه مبلغاً ضخماً كل شهر، ولا سيارة زوجك الفخمة، ولا تفوق ابنك الدراسي.. كفاك خوفاً من الآخرين؛ لأن كل شخص يملك حياة مستقلة، حياة تعتريها الهموم والشواغل، لا يعدو معها حتى أن يرى وجهه في المرآة، فما بالك أن يحسدك أنت؛ لأنك تناولت الغذاء في هذا المطعم واشتريت معطفاً من هذه الماركة!

لعل كل من تظنين أنهم يركزون كثيراً في تفاصيل حياتك هم لا يتذكرون حتى ملامح وجهك، وعندما تلتقين بهم ويسألون عنك وعن أحوالك فقط لمجاملتك ليست لهم أي نية سابقة في معرفة ما تخفين؛ لأنك ببساطة لست مركز الكون، ولست الشتاء الذي سيمطر غداً ويلزمهم البيت، ولا تخططين للسيطرة على العالم ولا اكتشاف قارة جديدة.

لا يركزون حتى في تفاصيل حياتهم؛ لأنهم لا يملكون الوقت لذلك، فالجميع صار يمتلك سيارة وحساباً بنكياً وهاتفاً ذكياً وتويتر ومثلك مثلهم.

باختصار شديد جداً.. حياتك ليست خارقة للعادات، تعيشين معنا على نفس الكوكب، تأكلين وتشربين مثلنا، وزوجك ممل يشبه الكثير من الأزواج، يهتم بك لساعة ويهملك لساعات، وأطفالك أشقياء ككل الأطفال، ولا يتركون البيت مرتباً لدقيقة، والصحافة لا تريد إجراء أي مقابلة معك؛ لأنك لا تعيشين شيئاً خارقاً أو غريباً.

عِيشي حياتك كما يحلو لك، اخلعي الحجاب أو ارتديه، سافري لمدغشقر أو لقرية جدك في الريف، تزوجي بأحد الأقزام السبعة أو بهم جميعاً، ادرسي نفسية النملة المطلقة أو الأكلة الشعبية لحضارة المايا، أو قودي سيارة أجرة.

لا أحد يهتم لوجودك أو غيابك أصلاً يا عزيزتي المحسودة، التي لم تحقق شيئاً يستحق أن يحسدك عليه الآخرون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.