المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أميمة مشماشي Headshot

شارع الحبّ!

تم النشر: تم التحديث:

كل يوم وأنا في طريقي للجامعة أمرُّ من شارع الحرية، يستفزني هذا الاسم حد النزيف، فلا علاقة تربطه بالحرية، ولا يعرف طريقاً لها.

أفارقة وسوريون يتسولون، أطفال يبيعون المناديل وأحلامهم معها، وآخرون يوزعون أوراق إشهار لمساكن حديثة البناء تطل على البحر، وهم لا يملكون مأوى.

السخيف في هذا الشارع إشارة مرور تتعطل بالساعات وتعيق الحركة، فيغدو مسجوناً مقيداً عبداً لهذه الإشارة، فأين الحرية وسط هذا العبث؟ إننا فقراء حقاً، حين لا نملك سوى أسماء نضعها على أشياء لا تمت لها بصلة؛ حي السلام، وشارع النهضة، حي القدس، وزقاق الأمل.

إننا نعوض ما نفتقده في هذه الأسماء، أعرف فتاة اسمها أحلام، والدها من اختار لها هذا الاسم، وربطها بالحلم المؤبد؛ ليوقفها عن الدراسة في سن الخامسة عشرة ويزوجها، فأين الأحلام في ذلك؟

ولطالما سخرنا من زميلتنا في المدرسة الابتدائية؛ لأنها تحمل اسم رضا وهو ليس للبنات، فتجيبنا أنهن خمس بنات، وكان ينتظر والدها أن تكون صبياً، فلما خلقت أنثى وضع لهذا الاسم كتعبير عن نقص عدم إنجابه لذكر.

إننا نمر كل يوم على مطعم نيويورك ومقهى مدريد وغيرهما، أسماء أطلقها أصحابها على مدن لا يعرفون حتى في أي قارة تقع، وربما لن يصلوا لها أبداً.

تخبرني صديقتي التي تدرس بالخارج أنها كل صباح تقطع شارع اسمه الحب في ذهابها وعودتها من الجامعة، شارع يحمل كل معاني الحب في آخره سيدة أربعينية تبيع الورد، بيوته بسيطة ينبعث منها كل صباح رائحة القهوة وصوت موسيقى رومانسية، يبتسم لها بائع الجرائد بحب، وعامل النظافة ينظر لها بحب، ويرافقها طفل صغير في طريقه لمدرسته بحب.

إنها تعلمت من هذا الشارع أن الشعور بالحب موجود في تلك الأشياء الصغيرة، ومبجل في أتفه المواقف، أن نمتلك الحب في أرواحنا دائماً حتى لو لم نعبر عنه، أن الحب نشاط إنساني من حق الجميع، وألا يمارس بشكل تقليدي، فهو متجدد مستمر يحتاج إلى الإبداع.

ضحكت بعد سماعي لحديثها هذا، وتذكرت الشارع الذي أمر منه كل صباح، الشارع الذي لا يعرفون مَن يمرون به ولا مَن يقطنون به لفظ الحرية ولا حتى نسيمها.

أخبرني أحدهم أن السلام والأمل والحرية لن تتحقق دون حب، أننا سنصادف كل هذه الأسماء في قلوبنا قبل شوارعنا عندما نتفتح على الحب.

وعليه فلنجعل شوارعنا دون أسماء، دون أن نعيقها باسم لا يشبهها، ونسمي مشاعرنا تجاه كل مكان وشارع نمر به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.