المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علا ماهر ماشفج Headshot

مفاتيح

تم النشر: تم التحديث:

أضعُ الأكياس أرضاً لأبحث عن المفتاح في الحقيبة وأجعل من قدمي حاجزاً يمنع الباب من أن يغلق ريثما ألملم حبات البطاطا التي تناثرت هنا وهناك.

أدخلُ وأغلق الباب ورائي متنفسةًً الصعداء وأنا أسمع صوت المفتاح وهو يدور للمرة الثانية في القفل، وكأنني أغلق الباب على كلاب مسعورة كانت تلاحقني النهار بأكمله وأحتمي منها.

ذهب الأولاد لقضاء عطلة الأسبوع في بيت أهلكَ إذاً لا حاجة للطهي.

أعلقُ المعطف، أشعل المدفأة، أرتدي بيجامتي وأتكوم داخل لحافي الصوفي مع كأسٍ كبيرٍ من الشوكولاتة الساخنة، وأكتفي بما تبقى من الشمس مصدراً للضوء.

لا حاجة لي للصور لكي أتذكر بل يكفي أن يحل الصمت وتكف الأفكار عن الدوران في رأسي، وأشطب آخر مهمة في جدول الواجبات اليومية؛ لكي تسيطر الذكريات على حواسي وأفكاري وتُعرَض صورنا القديمة كفيلم قصير في مخيلتي، فتعود بي الذاكرة إلى الساعة الخامسة عندما كان يدخل المنزل ذاك الشاب الذي كان ينتظرني بخجل أمام بناء الجامعة ويركل الحصى بقدمَيه واضعاً يديه الكبيرتين في جيوب بنطاله الصغيرة، وقد تحول إلى رجل يقف أمامي بعد ثماني ساعات قضاها بين مكتبه والقصر العدلي، حاملاً أكياس الخضار والفواكه متحدثاً عن يومه السيئ.

وأشعر بحنين أُم عندما أقيس المسافة التي قطعها ذلك الشاب ليصبح هذا الرجل ذا الأكتاف العريضة والهموم الكثيرة والبطن الذي بدأ ينتفخ ويتكور.

قبل أسبوعين من الحادثة، دخلتُ المكتب فوجدت ميّ بصحبة زائر غريب أخذ جريدتي وجلس يتفقد صفحتها الأخيرة على مكتبي، وقفت أمامه متعجبةً من تطفله فنظر إليّ وأشار إلى صورة فاتنةٍ تتصدر الصفحة وعلّق "أريد زوجة مثلها".

تداركت مَيّ ارتباكي لدى سماعي هذه الكلمات وأضافت "إنه يبحث عن عروس ليتزوج يا فاتن، لا تكترثي له"، ثم سألته عن صحة والدته فتكدر وجهه، وتمتم الحمد لله، ولما انتهت الزيارة أوضحت لي أن والدته في المراحل الأخيرة من المرض.

بعد بضعة أيام بينما كنت أتصفح الجريدة وجدت صورة الفاتنة ذاتها وابتسمت مشيرةً إليها وقلتُ لمَيّ ممازحةًً إنها العروس التي يبحث عنها صديقك، أعطِه الجريدة علّه يهتدي بها إلى شبيهتها.

تنهدت مَيّ وقالت: ألم أخبرك؟ لقد توفي البارحة!

تحسست الكرسي الذي يحملني وقد حمله هو الآخر منذ عدة أيام وأوضحت لها بأنني أقصد ذلك الشاب الذي كان يبحث عن عروس وختمت الجملة بالقول: "لقد كان يجلس على هذا الكرسي منذ عدّة أيام فقط" أومأت برأسها، وقالت: "نعم هو بذاته".

منذ بضعة أيام كان يبحث عن عروس شقراء بشفاه وردية ممتلئة والآن تحول إلى ذكرى تنتمي إلى الماضي وخبر تسيل الدموع لذكره.

بعد ذلك اليوم بأسبوع عندما توقف العقرب الصغير للساعة عند الخامسة وحان الموعد الذي أسمع فيه صوت مفاتيحك تخرج بصعوبة من جيبك الصغير وتدير القفل لم تدخل من الباب وجاء بدلاً منك خبر أنك تحولت إلى ذكرى وانتقلت إلى الماضي.

الماضي لا يزال مبهماً بالنسبة لي، أخمنُ أن كلام مدرسة اللغة الإنكليزية عن تصريف الأفعال بالزمن الماضي حيث كانت تقف وتقول "فعل ابتدأ وانتهى" وتشير بيديها كأنها تمسك بالشيء وترميه وراء ظهرها، هو ما دفعني إلى أن أقضي يومي كاملاً بعد المدرسة وأنا أخطو خطوة أو اثنتين ثم أنظر إلى ورائي بشيء من الحنين، وأقول: "أصبحت هذه الخطوات من الماضي الآن".

الماضي إذاً فعلٌ ابتدأ وانتهى ومَرّ عليه الزمن، علينا أن نتخطاه ونتطلع إلى المستقبل؛ لذا أشعر أنني كبلوزة مقلوبة؛ وجهها الخلفي ظاهرٌ إلى العيون، فقد أصبح الماضي لديّ وسيلة اتصالي وتفاعلي مع العالم الخارجي بينما يمر المستقبل من أمامي دون أن أشعر به، فقد مرّت أربع سنين قضيتها ورأسي عالقٌ في الماضي لكن جسدي يصارع في الحاضر.

نافذتي إلى الماضي تُطِلُ علينا نحن الاثنين؛ أنتَ وفاتن التي رحلت معك. فاتن الأقوى إذ كانت هناك يدٌ تمسك بيدها وتدفعها بين الحين والآخر إلى الأمام، فاتن المرحة التي لم تضطر إلى التعامل مع هذه الكمية من الحزن والأسى، فاتن التي كانت تتقاسم همومها وأحزانها مع شريكها في سباق الحياة.

لم أعلن حرب النسيان على الماضي فأنا لا أريد علاقة متشنّجة معه، أفضل أن يحل السلام بيننا؛ فأعترف بأن المرأة التي كانت تتقاسم أيامها معك كانت النسخة الأفضل مني حتى الآن، قد تحمل الأيام ما هو أفضل وقد لا تفعل ذلك. المهم ألا أتشبث بها هدفاً في الحياة وأضرب كل ضرباتي في مرمى الوصول إليها مرة أخرى فبهذا أكون قد أعلنت الحرب على نفسي؛ ما مضى لن يعود فهو نتاج مجموعة عوامل توفرت في الماضي فقط.

يرن الهاتف وتخبرني مَيّ أن الأصدقاء قريبون من المنزل ويرغبون في الزيارة، أرحب بكل المحبين وأرتدي زياً أكثر أناقة، أقف أمام المرآة وأتذكر كيف كنت قادراً دائماً أن تنظر إليّ وترى حبيبتك فقط، دون أن تسمح للظروف والمشاكل والهالات السوداء التي كانت تحيط بعيني من الإرهاق أن تخرب المشهد، فلا أسمح للمشاكل أن تفصل بيني وبين المرآة وأزين وجهي بابتسامة عريضة، ثم أخرج محتويات حقيبتي على السرير؛ لأبحث عن مفتاح البيت لأفتحه أمام الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.