المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان وعة  Headshot

ماذا تعرف عن إسرائيل؟

تم النشر: تم التحديث:

جلّ ما يسمعه العرب عن إسرائيل يتعلق بمشكلات الاحتلال، والمواجهات بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، والتطورات السياسية والعسكرية التي تلعب فيها إسرائيل دورًا منذ نشأتها قبل 67 عامًا.

لكنْ هناك وجه آخر لإسرائيل لا يعرفه الكثيرون من العرب، فهذه الدولة صغيرة الحجم، والمحدودة الموارد والمحاطة بالأعداء، والتي قاطعها كل جيرانها الجغرافيين لسنوات طويلة؛ هذه الدولة تمكنت خلال تلك العقود الستة من بناء صرح اقتصادي وعلمي وصناعي وعسكري، عجزت عن مماثلته الدول العربية، التي يمتلك بعضها موارد بشرية واقتصادية أكبر بكثير مما لدى إسرائيل.

قد يكون بعض هذه الإنجازات متعلقاً بما كسبته إسرائيل من دعم غربي لاقتصادها وتسليحها، إما كتعويضات حرب من ألمانيا، أو كدعم مالي وعسكري من الولايات المتحدة، لكن الواقع يقول إن الدعم لا يمكنه أن يكون السبب الأوحد في بناء قاعدة صناعية وعلمية واقتصادية قوية كالتي تمتلكها إسرائيل.
من المفيد هنا أن ننظر بتمعن في تجربة كيانٍ نشأ في ظروف معقدة، وفي ظل صراع وجود عسكري وأمني واقتصادي مع محيطٍ متلاطمٍ من ملايين العرب الذين يرفضون وجوده.

إن الأسباب الكامنة وراء النجاح الإسرائيلي ستعطينا فكرة أوضح عن الفشل العربي، فكل ما فعلوه في مختلف الميادين، فعلنا عكسه أو لم نفعل شيئاً من الأساس لنطور هذا القطاع أو ذاك.

فهم الصراع العصري على أنه صراع علمي في الدرجة الأولى، والغلبة فيه لمن تتطابق خطواته مع مسيرة العصر، كان المفتاح الأهم في تخطيط سياسات إسرائيل في مختلف المجالات.

وتطبيقاً لهذا، ركزت إسرائيل على إنشاء جامعات متطورة، لا على المستوى الإقليمي فقط بل على المستوى العالمي أيضاً. ثم أصبحت هذه الجامعات روافد تمد المؤسسات العلمية والصناعية بالخبرات الشابة، التي تنتج ما تقوم إسرائيل بتصديره من تكنولوجيا المعلومات إلى العالم.

هذه المؤسسات والشركات التقنية استفادت من التوجه الاستثماري في إسرائيل نحو تشجيع قطاع تقنية المعلومات، باعتباره قطاع المستقبل ومفتاحاً لتطوير العديد من قطاعات الصناعة والبحث العلمي. إذ تنفق إسرائيل ضعفَي ما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي.

ويبلغ معدل الإنفاق في إسرائيل على البحث العلمي قياساً بالدخل القومي بين 4.6- 4.8%، بينما تنفق الولايات المتحدة 2.8% من دخلها القومي، أما الإنفاق العربي فيراوح بين 0.1% و1% من الناتج المحلي حسب أرقام منظمة اليونسكو.

hanan waa

إن التخلف التعليمي في البلاد العربية، وقدم المناهج وترهل الكوادر وغياب التخطيط الاستراتيجي لما نريده من هذا القطاع، هي أهم أسباب تخلف العرب، الذين لا نجد لهم ذكراً في قائمة أفضل 100 جامعة في العالم.
كما أن نزوع رأس المال العربي إلى الاستثمار في ما يجلب الربح السريع من تجارة وخدمات لا يؤسس لنهضة علمية صناعية كما نراها في إسرائيل.

أضف إلى ذلك أن البلاد العربية بلدان شابة، ومع هذا فإننا نلحظ غياب الشباب عن قيادة المؤسسات العلمية والتعليمية والصناعية، وهو ما يجعلها بعيدة عن إدارة تتفهم متطلبات العصر.

وقد يفسر هذا لنا النزف العلمي في العقول الشابة، التي تؤثر السفر إلى الخارج لتكمل دراساتها وبحوثها، بعيداً عن بيئة محبطة لا تلقي بالاً لاحتضان العقول المبدعة الغضة.

التجارب الإنسانية الناجحة، حتى لو كانت ملكاً لمن نخوض معهم صراعات سياسية وعسكرية، تستحق أن تلاحظ وتدرس وتحلل، خصوصًا إذا كانت التجربة لبلد حديث النشأة، محدود الموارد الطبيعية كإسرائيل.

نظرة متمعنة إلى الأرقام التي نعرضها هنا عن مختلف القطاعات، وترتيب إسرائيل فيها على مستوى العالم، قياساً ببعض الدول العربية، يعطينا فكرة وافية عن مدى المسافة التي أضعناها، ونحن نحارب بعضنا بعضاً، ونهمل تنمية شبابنا وعقولهم المبدعة، ونتجاهل قيمة العلم في مواجهة تحديات العصر لمصلحة الإبقاء على بيئة نمطية وعقلية تقليدية، لم تفلح إلا في إبقائنا أمة مستهلكة منتجات الآخرين، ومكتفية بالعيش في غياهب التاريخ.

hanan waa
إن للمستقبل أدواته وتحدياته، فإذا كنا عازمين على أن يكون لنا مكان فيه، فلا بد من أن نعمل بعقلية المستقبل لا الماضي، وأن نتعلم من الناجحين حتى لو كانوا ممن نعتبرهم أعداء لنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.