المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عثمان جمعون Headshot

معذرة وزير الاتصال المغربي.. الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته

تم النشر: تم التحديث:

منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيماً مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، إذ إنه لا يمكنك أن تقدم شيئاً ذا بال لدى الدولة المغربية إلا وبمحفظتك "ورقة مرور" ترفعك بميزتها وتدنيك بغيابها، حتى أصبحت هدف التلاميذ في حد ذاتها، وليس التعلُّم والتفكُّر من أجل تطوير الذات وللتأثير على الغير بالخير وللمساهمة بإيجابية في المجتمع.


الشهادة التي لا يهم كيف حصلت عليها، أو مقدار تناسبها مع شخصك، يكفي أنك تتوفر عليها؛ لأن الجميع يعرف قيمتها، فلا داعي للإحراج بالتذكير بها، فالعالم بات يشهد عند كل نهاية موسم دراسي مغربي استنفار أكاديميات التعليم في مواجهة الغش عند الامتحانات، ومحاربة الرشوة في الجامعة للحصول على الإجازات وشهادات الماجستير والدكتوراه، لكن دون جدوى.

ولأن المتحدّث عن الشّيء بكثرة يفتقده، ويحنُّ إليه ولا يجده، وفي حلقه غصّة ومرارة، تواصل الدولة المغربية وعبر مختلف الإدارات ممارسة هذه المسرحية القبيحة التي تحمل عنوان "تعليم هزيل بشهادة لها وزن ثقيل"، تفرز جامعياً لا يستطيع كتابة مقال رأي سليم، ولا مجازاً يناقش بعقل واقعاً مريضاً، إلا ما استثني من حالة تكاد تكون عامة.

ومن المساهمين في هذه المسرحية، وزير الاتصال المغربي السابق، السيد مصطفى الخلفي، الذي جعل من شروط مدير نشر صحيفة ما، الحصول على شهادة جامعية، حسب مدونة الصحافة والنشر الجديدة، وكأن الموضوع يتعلق بوظيفة تقنية يكتسب الطالب أساليبها بمدرجات الكلية، وليس بميدان يقوم على الممارسة والاجتهاد والتربية.

معذرة أستاذنا الخلفي، لست بعلوِّ بمقامك، ولا تقارن تجربتي بسيرتك، لكنّي أعتقد أنك أخطأت كثيراً عندما ربطت مدير النشر الذي أساساً هو صحفي بشهادته الجامعية، كما تنص عليه المادة 16 من قانون الصحافة والنشر، حيث وأنا اليوم مدير موقع إخباري أتلقى بعض المقالات من مجازين غابرين، وطلبة باحثين أستحيي من نشرها ليطّلع عليها القارئ الكريم، إلا بعد تصحيحها وترتيب أفكارها، حتى أكاد أكون أنا كاتبها الحقيقي، وكثيراً ما أعدل عن المسِّ بها بالمرة، وأنا بين ضاحك ومتحسّر.

معذرة أستاذنا الخلفي، ولكنه كان من السليم جداً أن يحصل الصحفي على بطاقة الصحافة ويعترف به، بعد اجتياز مباراة من طرف لجنة تنبثق عن المجلس الوطني للصحافة؛ حيث يجرى الاختبار المباشر حول الأجناس الصحفية ويكتب مقالات خبرية في حينها ضماناً لمصداقيتها، حتى لا يدخل كل من له شهادة جامعية إلى سرب الصحافة بعد أن تعسر عليه الولوج إلى سلك التعليم أو غيره، وتصبح مهنة من لا مهنة له.

معذرة أستاذنا الخلفي.. ولكني أعتقد أن جعل بطاقة الصحافة ومهمة مدير النشّر مرتبطة باجتياز مباراة وطنية أو جهوية، سيقي صاحبة الجلالة من جشع المستثمرين نوعاً ما، وسيحفظ للصحفيين قدرهم، وينزل لكل ذي منزل مقامه، وسيكون محفزاً لهم بالارتقاء داخل مؤسساتهم الإعلامية، بالإضافة إلى أنه بعد فترة قصيرة سيصبح حول صاحبة الجلالة خداماً له تراكم معرفي ومهني، لعله سيرقى أكثر بإعلامنا الوطني والمحلي والجهوي.

معذرة أستاذنا الخلفي.. ولكنه من العار والفضيحة أن من صادق على قانون الصحافة والنشر بمؤسسات التشريع، لا يشترط فيه أن يكون جامعياً، ومع ذلك صادقوا على هذا المشروع الذي صدر بالجريدة الرسمية يوم 10 أغسطس/آب 2016، وهم الذين من المفروض أن يعدّلوا عليه، ويشجعوا آلاف المواطنين ممن لهم مختلف الظروف التي لم تسمح لهم بإتمام الدراسة واجتهدوا بعصامية، كما يحاولون تماماً دعم أصحاب الدراسات الأكاديمية، فلا يستقيم على كل حال أن يلزم فاقد الشيء الآخر بما يفتقده، ولأنهم كذلك أولى بأن يطبّق عليهم هذا الشّرط لجسامة مسؤوليتهم المرتبطة بالأرقام والأفكار، وليس بالنقل والإخبار.

معذرة أستاذنا الخلفي.. ولكني أعتقد أنكم لا تستطيعون تعديل البرنامج الانتخابي وإضافة هذا الشرط، ولو أنكم تقودون الحكومة المغربية للمرة الثانية على التوالي؛ لأنكم ستجدون معارضة شرسة، ليس لشيء، فقط لأن ذلك سيفوت على وطننا الاستفادة من خبرات كثيرة، لم تتعلم في المدرسة، ولكن الحياة علمتها بقسوة، كذلك بالنسبة للصحافة والإعلام.

معذرة أستاذنا الخلفي.. ولكني أجدني وأنا أقرأ مدونة الصحافة والنّشر الجديدة أتساءل مستغرباً: هل الوضع الإعلامي الذي لا يروقكم وبعض قيادات حزبكم يرجع لكون مديري النشر غير حاصلين على شهادة جامعية؟ أم أن من يوجدون اليوم على رؤوس الصحف ليسوا من خريجي المعاهد العليا للإعلام ولهم حسابات سياسية ويستقون من شيكارة كبيرة؟! أترك لك الجواب، فأنت تعرفهم أكثر منّي.

معذرة أستاذنا الخلفي.. لكن وطني وأنا أحد أبنائه المستضعفين قهراً، يطحنني لمرات متتالية، ربما ليس في شاحنة الأزبال، ولكن على نظرات وألسنة النّاس، فمرة عندما سمح لي بمغادرة مقاعد المدرسة ولم يلزمني بها، ومرة عند عدم سماحه بالرّجوع إليها لاستئناف مساري التعليمي، والآن عند حرماني من أن أكون مدير نشر مقاولتي الإعلامية التي برز نجاحها في مدة قصيرة، ويصرُّ ذات الوطن للأسف على إقبارها وهي التي في مسار أن يستعفف من خلالها عددٌ من الأسر المغربية بجهة طنجة تطوان الحسيمة.

معذرة أستاذنا الخلفي.. لكني قرأت قديما حواراً للسيد "لازلو بوك"، رئيس قسم التوظيف في شركة جوجل العالمية، يقول في جزء منه: "عندما تنظر إلى الأشخاص الذين لا يذهبون إلى الجامعة، ويشقون طريقهم في العالم بالاعتماد على أنفسهم، إن هؤلاء بشر استثنائيون، وعلينا أن نفعل كل ما بوسعنا للعثور عليهم"، هذا في بلاد متقدمة، وفي شركة دولية، فهمت جيداً أن الشهادة الجامعية ما هي إلا "ورقة مرور" لخداع الناس وقد كشفت، وأن الإنتاج والإبداع ليسا إلا لمن جدُّوا في الطَّلب وأخلصوا في المطلب، وصنعوا من أنفسهم "عظماء بلا مدارس".

معذرة أستاذنا الخلفي.. ولكنك دفعت بفئة كبيرة من النّاس إلى الانخراط في عملية شراء شواهد الثانوية والجامعة، وساهمت في مصادرة حلم الكثيرين من الإعلاميين الذين لهم أقلام تنفث شرارات السَّعير على أعداء الوطن والديمقراطية، وتبث نشرات الخير والشكر على خدّام الشعب والأمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.