المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عثمان عصام الليلة  Headshot

علومنا الإنسانية

تم النشر: تم التحديث:

في عالمنا العربي تأخذ العلوم الإنسانية النسبة المتدنية في اهتمام كثير من أبناء مجتمعنا؛ لهذا ترى مصطلح "كليات القمة"، وهي الهندسة والعلوم الطبية، يأخذ الأولوية في اهتمام المجتمع.

في كلماتي هذه لا أحط من قدر هذه العلوم، وإنما أسلط الضوء على حالة "سلبية" نعيشها من تعبئة شعبية نحو "كليات القمة" هذه، والإعراض عن باقي العلوم الأخرى، التي لا تقل أهمية عنها.

طالب المدرسة بعد تخرجه مثلاً إذا حصل على معدل عالٍ فغالباً ما يكون أمام خيارين "وتحت ضغط الأهل ونظرة المجتمع"، إما الطب أو الهندسة، وإذا كان المعدل متوسطاً فأي كلية تأتي فبركة ونعمة.

لهذا ترى كثيراً من الأطباء والمهندسين ممن يبدعون في كتاباتهم الأدبية والشعرية وحتى السياسية، والأسماء كثيرة في عالمنا العربي؛ لأنهم غالباً أرادوا دراسة هذه العلوم وأجبروا على "كليات القمة".


في محاضرة للدكتور لطارق السويدان عنوانها "بناء الثقافة - بناء الإنسان"، وحول العلوم الإنسانية يقول: "هناك علم، وهناك حكمة، علوم مثل الرياضيات والفيزياء وغيرها... إلخ تعطينا العلم، لكن الذي يصنع الحكمة هي العلوم الإنسانية ومنها الدين، الفلسفة، الإعلام، الإدارة، الاقتصاد، السياسة... إلخ، والحكمة قابلة للتعلم، مستشهداً بالآية الكريمة في كتاب الله "وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"، والحكمة تعلمنا القرار بشكل صحيح دون زيادة أو نقصان، وتأخذ هذه الحكمة من العلوم الإنسانية، وكثير من آبائنا وأمهاتنا يستصغرونها، والقيم البشرية تتغير من خلال الفلسفة والإعلام وغيرها، وليست العلوم الطبية وغيرها" انتهى هنا كلام الدكتور.

والمشاهد للأفلام العربية يرى الاستصغار من شأن هذه الكليات في هذه الكليات، وبالذات كليات الإدارة والاقتصاد والآداب تُصور على أنها كليات للهو واللعب إلى درجة أصبح تأثير هذه الكليات على واقعنا العربي ومساهمتها في التطوير والتنمية شبه معدوم أليس هذا واقعاً اليوم؟

صحيح أن أغلب الناس تبحث عن الأمان والاستقرار المعيشي "الوظيفي" بالذات، الذي يكون أغلبه في كليات القمة مع الأسف، لكن من أضرار هذا الاعتقاد ظهرت لدينا اللغة العربية المتدنية، والثقافة العامة المتدنية، حتى في مجال الفن، قارن اليوم بما كان بالأمس.

لهذا لا ترى في مجتمعنا العربي علماء دوليين على مستوى الاقتصاد والاجتماع والفلسفة اللهم إلا ما ندر.

كم عالم عربي في مجتمعنا اليوم ينافس فيليب كوتلر في مجال التسويق أو ميلتون فريدمان في مجال الاقتصاد؟

هناك علوم جديدة ظهرت حديثاً لها الأثر الإيجابي على تطوير المجتمع، إن استغلت ودرست بشكل صحيح، مثل نظم المعلومات الإدارية، ونظم المعلومات التسويقية، وغيرها من هذه العلوم الحديثة، ابحث الآن عنها في محرك البحث google سترى نتائج البحث هنا فقيرة، ولا تلبي حاجة الواقع بشكل فعلي .


نهوض مجتمعاتنا يكون بالاشتغال بالعلوم الإنسانية بشكل يلبي حاجة الواقع، وليس الاعتماد والاكتفاء فقط بالفكر والثقافة والاقتصاد من المنظور الغربي، والحث فقط على "كليات القمة".

ينبغي لنا أن تكون لنا إسهاماتنا الخاصة تجاه مجتمعاتنا من خلال الحث على دراسة هذه العلوم، وليس القبول بها والتسليم؛ لأن "معدلي في المدرسة" أهّلني لإحدى هذه الكليات.

تطوير مجتمعاتنا وحتى حضارتنا يكون من خلال إعطاء أولادنا حرية الاختيار في دراستهم، وإعطاء النصح والتوجيه إن لزم الأمر، لكن قرار الاختيار في مجال الدراسة يجب أن يكون بحرية كاملة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.