المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة يوسف Headshot

مصطلح أهل السنة والجماعة بين منتسبيه ومحتكريه

تم النشر: تم التحديث:

روى أبو داود والنسائي وغيرهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، وفي رواية أن الصحابة قالوا: "يا رسول الله، من الفرقة الناجية؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

هذا الحديث بمجموع رواياته وإن كان هناك من اعترض على صحته، كالشيخ يوسف القرضاوي من المعاصرين وغيره، إلا أن جمهور الأمة تلقاه بالقبول، وأوردته كتب العقيدة الإسلامية بمختلف توجهاتها، وتوسعت في شرحه وإسقاطه على واقع الأمة، وعلى واقع الجماعات والفرق تحديداً، لا سيما في معرض الرد على المخالفين وتفنيد آرائهم.

لكن القارئ لجل التراث الذي تناول أحاديث تفرق الأمة ونجاة طائفة بعينها من الانحراف في الدنيا، وبالتالي النجاة من عذاب الله في الآخرة، يجده تناولاً احتكارياً، بمعنى أنه يؤسس ابتداء إلى أن الحق وحده محصور فيما ذهب إليه صاحب المصنف وتياره وفرقته، ثم ينتقل إلى تصنيف وضم ما عدا ذلك من تيارات وجماعات إلى واحدة من الفرق الضالة والهالكة المشار إليها آنفاً في الحديث الشريف، بغض النظر عن حجم الخلاف الناشئ مع الآخر وما إذا كان سائغاً أم لا.

فأهل الحديث -أو السلفيون- مثلاً يرون في أنفسهم الفرقة الناجية فحسب، والأشاعرة كذلك يعتبرون أن معتقدهم في الأسماء والصفات هو معتقد أهل السنة والجماعة أو الفرقة الناجية، وكل يرى في الآخر فرقة من الفرق الثلاث والسبعين، في حين أن الخلاف بين هذين التيارين على وجه الخصوص خلاف بسيط يصعب حتى في بعض الأحيان شرحه لغير المتخصصين في علوم العقيدة الإسلامية، كما أن المدرستين متطابقتان في الاعتقاد فيما يخص الصحابة، وفي غالب مسائل الإيمان إن لم يكن كلها.

ولو أن تناول مثل هذه النصوص -عند من رأى صحتها- كان تناولاً يغلب عليه التواضع والطمع في الانتساب إلى الحق وأهله، أكثر من النزوع إلى التفرد بالحق وحصره فيما يراه المجتهد، لما كانت الخلافات الدقيقة والفلسفية العميقة في تفسير معاني أسماء الله وصفاته الحسنى بين السلفية والأشاعرة سبباً في نشوب حروب طاحنة من الإقصاء والتبديع، بل والتكفير في بعض الأحيان.

ولو علم كل صاحب منهج وفكرة واجتهاد أنه مهما بلغ من مراتب العلم والعمل فلن يحيط بشكل كامل وتام بتركة عظيمة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما في الحديث، لتواضع والتمس لغيره العذر في الخلاف السائغ المعقول الذي لم يخرج عن صحيح السنة ثبوتاً وقطعي القرآن فهماً.

ويظهر مثل هذا التناول الاحتكاري كذلك في تلقي مفهوم التجديد في الإسلام، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عنه أبو هريرة يقول: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

ففي الأوساط الإخوانية على سبيل المثال لا يكاد مصطلح التجديد يطرق إلا مقروناً بشخص الإمام حسن البنا عليه رحمة الله، وعند السلفيين فمجدد العصر بلا منازع هو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهكذا هو واقع الحال في معظم التيارات والجماعات الكبيرة المؤثرة في التاريخ الإسلامي المعاصر.

مع أن لفظة "من" في اللغة تشمل الجماعة كما تشمل الفرد، فكان يسع كل طرف أن ينظر إلى مؤسس تياره وجماعته على أنه أحد المجددين في عصره، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد في مجال إحياء العقيدة وتنقيتها مما شابها، والإمام البنا مجدد في حركية الإسلام وبعث شموليته، والإمام الألباني مجدد في علم الحديث مثلاً وهكذا.

إن من المبشرات اليوم هو وجود طائفة من العلماء والنخب الإسلامية، ممن يتبنون بشدة مثل هذه القراءة الشاملة، والبعيدة عن احتكار الصواب والمسارعة في تصنيف الآخر، وإبعاده خارج مظلة أهل السنة والجماعة، التي هي في الأصل تجمع تحت فيئها جمهور الأمة وغالبيتها العظمى، لكن المشوار للأسف أمام هذه النخب ليس قصيراً على ما يبدو، حتى يصلوا لكونهم أصحاب التيار الغالب والصوت الأكثر علواً وقبولاً وتأثيراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.