المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة طه Headshot

%50 تركيز

تم النشر: تم التحديث:

تُحاور أحدَهم وهو يهاتف آخر، وتجالس آخر وهو يقلب في رسائل الواتساب، تحاول اختطاف النظرات لعيني زوجتك وهي مشغولة بجهازها اللوحي... ما هذا؟ هل هذه هي سمة هذا العصر؟ وما اقتحم حياتنا من وسائل يلقبونها بوسائل التواصل؟ أم لعلّي صِرت عجوزاً في جثمان شاب؟
لا أظن.. إنما هذا عرَضٌ لمرضٍ تكاد تحسُّ دبيبَه في أجسادنا وعقولنا.. إنه ضعف التركيز.

نعم صار الواحد منا يمارس حياته ويخالط الناس بنصف تركيز، ماذا يستحوذ على نصفه الآخر؟ تغيّر أسلوب الحياة وانفتحت الدنيا بعد أن كانت مغلقة، فاقترب البعيد وابتعد القريب، وصار العالم كالقرية، والعام كالشهر، والشهر كاليوم، واليوم كالساعة، يلهث الناس وراء إيقاع الحياة المتسارع لملاحقة الأحداث وكل ما هو حديث، فكل الأخبار الهامة من جهة والتفاصيل الدقيقة لحياة الناس من جهة أخرى صارت متاحة ومنشورة، فلا يريدون أن يفوتهم شيء، أو ربما لتحقيق تطلعات وأحلام جديدة، وهذا ما أريد إلقاء الضوء عليه فيما يلي.

ما زلت أذكر أبي وهو عائد من عمله، يحضنني.. ألتصق بجسده الدافئ وأشم رائحة عرقه الزكية، يبتسم لي ابتسامة مُجهَدة ويعطيني مجلة طلبتُها أو لُعبة أُحبها، كان يتفانى في عمله الوحيد، يعمل بكامل طاقته وتركيزه وإخلاصه، ثم يعود إلينا بعد الظهر فيرتاح قليلاً ثم نجلس معه أو نزور أقاربنا أو أصدقاءنا، كنا نتنزه ونلتقط صوراً مفعمةً بالضحكات الصافية.

كنا نسكن في شقة إيجار في حي شعبي، ولم يكن لدينا سيارة، ولكن كنا سعداء.
تلك السعادة التي نُزعت منا بعد انتقالنا إلى بيت مِلك، ثم ذهب البيت، ومات أبي.
لكنه ترك لي ذكريات لا أنساها، حتى أحلامي تكون في شقتنا القديمة في الحي الشعبي.

نحن نسعى في دائرة معصوبي العينين لجلب الرزق حتى الموت، زادت أعباء الحياة، وزادت ساعات العمل، وزادت التطلعات أيضاً.. إما للأمل في حياة كريمة، أو كي لا يكون مستوانا المادي والاجتماعي أقل من أقراننا.

فصار التركيز موجهاً نحو كسب المال فصار غاية بعد أن كان وسيلة، وتضاءل بجواره كل ما لا يأتي من خلفه مصلحة.

فهذا يعمل عملاً إضافياً واثنين وثلاثة -بلا تركيزٍ كامل بطبيعة الحال- ليلاحق التزاماته المادية ولا مانع من تحقيق طموحات جديدة تحدوه، وذاك يبحث عن استثمار آمن؛ لأن الادخار أصبح غير ذي قيمة.

انظر في وجوه الناس تلحظ ما أعني، الذهن شارد، والبال مشغول، رحلت البسمة، واختفت خلف ستار المجاملة وتحقيق المصالح، حتى الصلاة صارت حركاتٍ بلا روحٍ ولا دموعِ خشيةٍ كما كانت، سرَقتنا الدنيا.

مَن يفكر الآن في حقوق صاحب العمل عليه، أو في حقوق العاملين لديه؟ قليل.
مَن يفكر في صلة رحم أو زيارة صديق دون مناسبة أو تحقيق مصلحة من وراء زيارته؟
يكفي أن ترسل له تهنئة على الفيسبوك أو الواتساب.

مَن يستمع الآن إلى قصص أبنائه الحالمة بتركيز واهتمام؟ نعم إنهم يحتاجون منك مالاً، ولكنهم يحتاجونك أنت أكثر.
فما الجدوى من توفير المدرسة الإنترناشيونال لابنتك دون أن تجد أباها يحتضنها كل يوم؟ يلعب معها، يمنحها ما لا يمكن لأحد غيرك منحه لها.

هذه الدنيا أقصر من طموحاتك التي لن تنتهي، فلو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى آخر، واعلم أنه لا قيمة للمال إذا لم يحقق صلاح البال، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.

اعمل بتركيز وحقق أحلامك، استمتع بأهلك وأصدقائك، ومتّع الناس بصحبتك، واترك ذكرى طيبة في كل مكانك ليقولوا مرّ مِن هنا مَن كان يحبنا ونحبه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.