المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة طه Headshot

رائحة الخبز

تم النشر: تم التحديث:

هل للنبات أن يتخلى عن جذوره التي يستمد منها قوته؟ كذلك لكل منا جذور ضاربة في أعماق الأرض والتاريخ، فلنحرص على الارتباط بها، ولنفخر بالانتماء لها.

كنت منذ أيام قليلة في زيارة مع أسرتي لقريتي الجميلة، وما إن رأيتُ مئذنة المسجد الكبير تطل من خلف الأشجار وأبراج الكهرباء، حتى خفق قلبي فرحاً، واسترجعت أيام طفولتي حين كنت أقضي إجازة نهاية العام بين أقاربي وأصدقائي، كنا نتسابق أنا وإخوتي مَن يكون أول من يلمح المئذنة على الطريق المؤدية للقرية ويشير إليها.

تذكرتُ أيام المرح مع أقراني من الأقارب والأصدقاء، نلعب الكرة في الطرقات تحت الشمس الحارقة، ولا ينسينا حرارتها إلا متعة الصحبة وإحراز الأهداف، مرافقة أخي مع فريق القرية في مبارياته في الدورات الصيفية، كانوا لاعبين مهَرةً لا ينقصهم إلا أعين الكشافين؛ لينتقلوا إلى أكبر الأندية.

وفي أيام الحصاد كنا نشارك أهالينا، ونلهو على جوالات القمح في المخازن وعلى مكعبات القش أمام بيت جدي -رحمه الله- نصنع ألعاباً من عيدان الغاب وأغطية المياه الغازية، ونصنع بيوتاً بقوالب الطوب اللبِن، أتسامرُ مع أصدقائي ليلاً نتحدث عن مباراة اليوم، وتعلو الضحكات.

وفي العيد نصحو باكراً، نرتدي الملابس الجديدة، ونطوف على بيوت الأقارب، يمنحوننا العيدية ذات الأوراق الجديدة، الكل كان يرحب بنا، نشتري الألعاب ونلهو طوال اليوم.

ما زلت أذكر رائحة الخبز في البكور، ما زلت أجدُ ريحَها صاعدةً من الدوّار تداعب أنفي وقلبي، تناولني أمي الخبز الطازج آكلُهُ فرِحاً ثم أواصل اللعب، أستمعُ إلى فوازير جدي الممتعة وحديث جدتي مع أمي وخالاتي في فناء بيت العائلة في المساء، لقاء الأصدقاء بعد صلاة الجمعة في المسجد الكبير، صوت الطاحونة الذي تسمعه من أي مكان في القرية، مشهد النساء وهن يحملن الطعام لـ"المَضْيَفَة" لضيوف حضروا لجنازة، كانت الحياة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالخير والسعادة.

ما زلت حريصاً على زيارة القرية برفقة أبنائي، نذهب للحقول، نأكل من خير الأرض، نزور ما استطعنا من الأقارب، هؤلاء الأقارب في القرى، وتلك الأرض التي تَنبت بالخير بإذن ربها هم جذورنا التي ينبغي علينا أن نلتصق بها ولا ننفكّ عنها.

خذ أبناءك وغادر تلك المكعبات الإسمنتية الصماء وأدخنة السيارات والمصانع وصخب الزحام والغرف المغلقة، وانعَم معهم برحلة إلى الجذور، زُر مَن بقي من أقاربك وعرفهم بهم، امرح معهم في الحقول، ازرع معهم نبتة تكبر معهم، وازرع فيهم حب الأرض.

إنني ما ندمتُ على شيء ندمي على جدٍّ رحل عن الدنيا ولم أغترف من بحر حِكَمِه التي ورثَها عن الأجداد أو علمَتْها له الأيام، أرافقه إلى المسجد، أذهب معه إلى الحقل يعلّمني، أو قريبٍ عاد من الخليج في صندوق لم أعلمه إلا وأنا أصلي عليه، أو آخر عاد إلينا مريضاً ثم رحل متأثراً بمرضه، أو آخر سافر منذ سنوات ولم يعد، أفتقد صحبته، الآن أدرك أنها أشياءُ لا تُشترى.

ما زال الخير يملأ القرية، ما زال أهلها يتعاونون على بناء مسجد أو كفالة يتيم أو بناء مَشفى، يلبون نداء الخير ما سمعوه آتياً من مئذنة المسجد الكبير، ما زالوا على فطرة الأجداد، ما زال أبناؤها يتفوقون ويحصلون على أعلى الدرجات في الطب والهندسة والزراعة.
كثرت البيوت لكن لون الزرع الأخضر ما زال يصبغ لونها، وما زالت رائحة الخبز تفوح من البيوت تذكّرني بأجمل أيام حياتي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.