المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

أين الله مِن قتل الأطفال؟!

تم النشر: تم التحديث:

كنت قد ناقشت عنوان المقالة في الجزء الثاني من تلك السلسلة، ولكن أردت توضيح بعض النقاط، لذلك سيكون مقالي هذا رداً على أي سؤال سيجول بخاطرك بخصوص ذلك السؤال، بعون الله.

13 عاماً والمسلمون في مكة ما بين قتل وتعذيب وانتهاك أعراض وسلب أموال بمكة حتى ذهب أحد الصحابة إلى النبي ذات يوم وهو في ظل الكعبة وقد لقوا من المشركين شدةً، فقال يا رسول الله: "استنصِر لنا". فيجيب: "إنكم قوم تستعجلون"! فقعد وهو محمّرٌ وجهه، فقال: "لقد كان (مَن قبلكم) ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، ولَيُتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله (زاد بيان: والذئب على غنمه)".

أتعرف من يقصد الرسول بـ"من قبلكم"، إذا نظرت للقرآن فستعرف أنهم كثيرون، ولكن سنختار منهم قصة أصحاب الأخدود، حيث كان هناك حاكم ظالم أمر بجمع كل المؤمنين في المدينة ورمي من لم يرجع عن دينه في نار أُشعلت في أخاديد تم حفرها ولم يتراجع أحد عن إيمانه؛ بل حتى الرضيع الذي قال لأمه حين همت أن ترضعه: "اصبري يا أماه؛ فإنك على الحق"، ورمى الكفار الأم ورضيعها في النار دون رحمة.

أين كان الله حين شُقت الأخاديد وأُشعلت النيران وأُحرقت مدينة كاملة من الموحدين، وبقي الملك الظالم الذي يدّعي الألوهية يحكم ويتمتع بعد أن قضى على كل الموحدين؟!

الله حينها كان يرى ذلك المشهد، أنطق الرضيع، وأعطى بلاغةً وإيماناً للغلام، ولكن لم يتدخل الله لإنقاذ الرضيع ولا الغلام ولا الراهب؛ بل الغلام قُتل والرضيع حُرق وباقي المؤمنين حرقوا، بل وذكر الله قصتهم في سورة البروج لتكون قصتهم تثبيتاً لأي مؤمن ليوم الدين...!

****

تجد المتدينين والذين يميلون إلى تفسير الأحداث من الناحية الدينية عاجزين عن تقديم رد مقنع لـسؤال: "أين الله من قتل الأطفال..؟!"، خاصة بعد أن أصبح الأطفال ومن على شاكلتهم من النساء والعجائز وكبار السن هم وقود المعارك وموضع استهداف مباشر..!

لذلك، يسعى الجميع إلى معرفة الحكمة من وراء عدم تدخل الله لمنع وقوع كل هذا العدد من الضحايا من الأطفال، يتساءل أحدهم في حزن: ألم يكن في قدرة الله تحويل مسار هذا الصاروخ الذي استهدف حضانة الأطفال؟! هنا، الشخص يتساءل عن إيمان بقدرة الله عز وجل لا عن كفر والعياذ بالله؛ بل يتساءل: ما الحكمة أن يترك الله هذا الصاروخ يصيب هؤلاء الأطفال الأبرياء داخل الحضانة..؟!

وإن كنا نبحث عن إجابة للسؤال، فليس أمامنا سوى البحث في القرآن الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وجدت أن الله قد ذكر هذا السؤال وأجابه بشكل مختلف أو لنقل بأشكال متعددة ليوضح لنا حتمية "لماذا" وراء هذا الفعل الذي سيتوقف أمامه أي إنسان مهما كانت درجة قسوته..!

"لماذا قتلتَ الغلام..؟!"، هذا سؤال موسى للخضر يوم أن ذبح الخضر غلاماً رآه في القرية، دعنا ننظر للمشهد بشكل مختلف، دعنا ننظر إلى هذا الحوار كأنه مشهد تتشابه الأدوار بيننا وبين أبطال هذا المشهد.. دعني أقل إن "موسى" يمثلك أنت، "والخضر" يمثل القَدَر والأمر الإلهي، "والغلام" يمثل المظلوم الذي تغضب لأجله.
موسى -الذي يمثلك- يسأل: لماذا قتلتَه؟ ويرد عليه الخضر مذكراً له بالصبر الذي قطعه على نفسه في بداية رحلته معه..!

دعني أُضِف مشهداً آخر: موسى الذي يسأل "لماذا؟" هو نفسه موسى الرضيع الذي تنبّأ أحد منجمي فرعون بقدومه ليستولي على مُلك فرعون فأمر فرعون بقتل كل الأطفال الذكور، ولكن الله نجاه هو وحده بأن أوحى إلى أمه أن تلقيه في اليم (البحر)، هؤلاء الأطفال الذين فدوا موسى الرضيع...!

وهو ابن نوح العاق الذي لم يستمع لكلام والده النبي نوح وأرهقه بكفره، أليس هذا يمثل مصير غلام سورة الكهف الذي ذبحه الخضر حتى لا يرهق والديه بكفره عندما يكبر..!

دعني أوضح لك أن أب الغلام وأمه لم يعلموا بحكمة الله في موت ابنهم، حيث إن الخضر لم يذهب إليهم ليخبرهم بالحكمة، ولكن دعني أتخيل ما شعورهما عندما علموا أن ابنهم قد ذُبح؛ صراخ وعويل وحزن شديد وتساؤلات: "ليه يا رب؟! ده لسه صغير؟! ده معملش حاجة؟!"، وتساؤلات من هذا القبيل، إلى أن أتى فرج الله لهم بمولود آخر، يقال إنه فتاة ذريتها كلها صالحة!
فليس كل غلام كافراً أو سيصبح كافراً وهكذا الرضَّع، ولكنها أمثلة تبين أن الله يُدبر الأمر في أرضه ولعباده؛ فهو القاهر فوق عباده.

فوالله لولا تلك الدماء الزكية التي تسيل أنهاراً لظللنا نُمجد أناساً يطعنون في ظهورنا، ونُقدس أناساً ظاهرهم مسلمون ولكن يضمرون الشر لباقي المسلمين، ولظللنا على حُكام ومثقفين ورجال دين كنا نعتقد سلامة فكرهم، ولكنهم أصبحوا فارغين دون علم حقيقي...!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.