المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

التعريض آفة حارتنا اليوم!

تم النشر: تم التحديث:

عجز الإنسان عن التحكم في مصيره يجعله في حالة امتحان دائم، أي نظرة من الآخرين تهدد مكانته الركيكة واعتباره الذاتي الذي يحاول الحفاظ عليه، ويصبح نموذج التسلط والخضوع هو القانون الذي تخضع له كل العلاقات، حتى علاقات الحب والعلاقات الرسمية والعادية، الكل هنا يبحث عن ذاته في عيون الآخرين، وبما أن الإنسان بطبعه كائن عاطفي يستخدم وجدانه (عاطفته) أكثر من عقله، فكان الدافع الأول هو دعم شعوره العاطفي الجيد ليدفعه للعمل، وأهم هذه المشاعر هو الشعور الجيد حول نفسه، ومقدار رؤيته لنفسه،

وعندما يبدأ البحث عن الذات خارج الإطار الطبيعي يجعل الإنسان غير سوي في علاقته مع نفسه وفي التعامل الاجتماعي بشكل عام، خاصة عند وجود مصلحة أو هدف مشترك، فالجفاف الوجداني من عدم التقدير أدى إلى تفشي مشكلة المديح وتحوله إلى نفاق، ثم إلى (التعريض) كلفظ عصري يُبين مآلات ما وصلنا إليه.

فالإنسان السوي يرد على مدح ليس من حقه (تملق وتعريض)، كما رد طه حسين على صاحبة رسالة تُشبهه بأبي العلاء، رد إليها برسالة نشرها في كتاب الأحاديث كالآتي "ما إسرافك وإغراقك وتسميتك إياي بهذا الاسم الذي ليس مني ولست منه في شيء؟ لقد أحب أن أشكر للذين يحسنون إلى إحسانهم، ولكني أحب أن يكون هذا الإحسان في موضعه، وأن يكون هذا الثناء ملائماً لمن يساق إليه".

إذاً العلة ليست في الجسد، ولكن في النفوس، وطه حسين تجسيد لهذا المعنى.

الكلمات المشاعة يستخدمها الناس ويرويها المؤرخون الشعبيون ويكتبون عنها، وعن أصل الكلمة ولماذا قيلت؟ وفي أي مناسبة قيلت؟ وما الهدف منها؟ فأفعالنا وكلماتنا وحتى حروفنا سيرويها من سيأتي بعدنا، كما الآن نأتي بكلمة أصلها تركي أو يوناني ونكتب حولها، ونتفاخر أننا نعرف أصل الكلمات، فلا استهانة بأقوالنا، خاصة إذا كانت تعبر عن أفعال مشكوك في أخلاقيتها.

فعادة "التعريض" قديمة نسبية، وكان يمتهنها ويشتغل بها الشعراء مقابل المال، فالتعريض كانت مهنة، وما زالت مهنة مربحة تبذل المجهود، ولكن الذي يعمل في تلك المهنة هو "اللسان" الذي سيأتي لك بالمال والمنصب أحياناً، فيأتي عند صاحب السلطة أو الأغنياء عموماً، ويمتدحه بما هو أهل له، وبما ليس هو أهل له أيضاً، فإن أعطاه مالاً نظير مديحه، أكمل مدحه ليحظى بالكثير من المال، وإن مدح ولم يأخذ مالاً من الممدوح، انقلب شعره من مديح إلى هجاء، وهو ذكر مساوئ الشخص؛ بل والافتراء عليه بما ليس فيه من صفات سيئة كعقاب له على عدم عطائه المال.

فالتعريض في الكلام هو ما يقابل التصريح، وهو كلام له وجهان، أو عدة أوجه، ولا يختلف (التعريض) عن (التعريص) في شيء إلا في (النقطة) ووقع كلمة (التعريص) التي توحي ببذاءة فادحة عكس كلمة (التعريض) مخففة البذاءة، والمشكلة الرئيسية ليست فقط في المُعرِض؛ بل أحياناً ليست بالقليلة يكون هو الطريق الوحيد لذلك؛ للحصول على حقه، بل أصبحت المعضلة الكبرى في المُعرَض به (المقصود بالتعريض)، الذي أصبح يستلذ ويتمتع للحصول على التعريض؛ بل ويفاضل بين اثنين في تعريضهما له هذا.

و"التعريض" لفظ قديم حقاً فقد كان هناك وزير يخاطب سلطاناً غاضباً على بعض الأمراء، بقوله: "لا تكدر خاطرك يا مولاي، واقتل هؤلاء المعرصين"، وفي كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" للمؤرخ ابن إياس يروي واقعة القبض على مجموعة من النساء "كن يعرصن على بعض النسوة لممارسة الفحشاء"، وفي التاريخ يذكر أن "الخليفة المتوكل رمى عصفوراً فلم يصده، فقال الوزير: أحسنت، فقال الخليفة: أتهزأ بي؟! فقال الوزير: "لقد أحسنت إلى العصفور يا مولاي!"، وبدأ التعريض منذ ذلك الوقت!

أصبح هناك فرق ما بين (تظبيط) الفلوس (الرشوة) و(تظبيط) الكلام (التعريض)، بل وأصبح المُعرِّض يُمتدح ويصبح قدوة لغيره وإطلاق ألقاب عليه مثل: لسانه حلو، لسانه بينقط عسل (وأي تعبير مرتبط باللسان)، وللتعبير عن مدى ارتباط الرشوة بالتعريض، كنت في إحدى المرات أركب تاكسي، والسواق بدأ يحكي لي عن معاناته داخل إحدى المصالح الحكومية، بقوله "ظبطته بكلمتين بس كان ليه طلبات تانية فطار وحتة حشيش، موظف حكومي بيطلب حتة حشيش"، وإذا كانت الرشوة لها أسماء دلع مثل الفطار، حسنة، إكرامية، فأصبح التعريض يُطلب بأسلوب تورية، مثل "ده أنت ما بَلتش ريقنا بكلمتين حلوين".

هؤلاء الملكيون أكثر من الملك، واليد اليمنى للطغيان، هؤلاء الذين يجعلوننا أحط قدراً من الحمير، كما يروي توفيق الحكيم أن حماره سأله ذات يوم عن الفرق بين معشر الحمير ومعشر الآدميين؟ وأجاب الحمار: وجدت أن الفرق الأساسي بيننا وبينكم هو أنكم تعرفون النفاق.

وللتعريض أنواع: فالنوع الأول هو تعريض من أجل المصلحة: فالكل معذور في مجتمعاتنا لا أحد يحصل على التقدير المناسب لا المادي ولا المعنوي، فتتكون أنواع من الشخصيات الدونية والمعقدة والمشوشة وغير ذلك.

والتعريض الثاني من أجل الاستثمار في الناس: فهو يستخدم التعريض كوسيلة لمعرفة الناس وإضافة معارف كُثر في قائمة علاقاته، ويكون مبدؤه في الحياة "اللي ما تحتاج لوش النهارده تحتاج له بكرة"، وغالباً المُعرِّض يستخدم في بداية تعريضه لهؤلاء الأشخاص كلمات مثل "ما فيش مصلحة بيني وبينك ولا عاوز منك حاجة بس شهادة لله انت كذا وكذا"، وهو يكون صادقاً في تلك اللحظة، مُؤملاً نفسه أن يجني مكاسب تعريضه عند وقت الحاجة لهذا الشخص.

هذا وقد يعرّض شخصان لنفس الفرد، ولكن أحدهما يكسب الآخر في التعريض، فإما باختراع جديد للتعريض، وأحياناً وسيلة التعريض يتم الاتفاق بينها وبين المُعرِّض، وهذا أطلق عليه "اللعب على المكشوف"، فتخيل الشخصيتين عندما يتقابلان تجد كرنفالاً من اللامعقول تقف أمامه عاجزاً عن الكلام!

وهناك من يتقنون ما يُسمى بـ"المزدوجة"، وتلك تحتاج إلى خبرة وثقة في نفسك، هدفها الأساسي إقناع المقصود بالكلام أنه لا يستخدم أسلوب التعريض، وإقناع الناس من حوله بأن ما يتفوه به من كلام هو الحقيقة، وبذلك يقتنع المقصود بالكلام، ويقتنع الناس أيضاً أنه ذو ذوق، ويصبح مثالاً في الذوقيات، وبذلك فاز ليقتنع المقصود بالكلام، وحتى لا ينتبه إلى نفاقه، وحتى لا يطلق عليه الناس لفظ مُعرِّض، وهذا الشخص يكون لديه في الغالب نظرة مستقبلية وحرص زائد على سمعته، وغالباً هذا النوع سيعاني في المستقبل من فصام شخصي،

فهو لكي يصل للأسلوب (المزدوج)، لا بد له من استخدام الدين والفضيلة والمثل العليا في تعريضه ونفاقه، فتجد كلامه يبدأ بـ"والله أنا صادق في كل كلمة"، و"أنا لساني والله عاجز عن المجاملة"، و"لازم تشوف الحاجات الجميلة في كل إنسان"، تلك يلجأ إليها عندما يكون الإنسان المقصود بالتعريض ليس محبوباً من الناس، وعليها مآخذ سلبية كثيرة، ويستخدمون الاحترام، والحق وباقي المُثل من أجل مصلحته، وغالباً تكون كخطبة تمهيدية تُعمي آذان وقلوب السامعين عن الغرض الخفي وراء الكلام!

النهاية:

والله ما رأيت إنساناً يستحق الكلام الطيب ويستحق المدح إلا واحترت بأي صفة حسنة أبدأ بها المديح، ويخرج كلامي ناقصاً لا يُوفي حقه، وما رأيت ناقصاً يطلب النفاق إلا ووجدت الكلمات تنهمر على لساني كما يتدفق الماء على النهر، لا يتوقف اللسان عن النفاق، إلا إذا طُلب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.