المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

سيكولوجية ما وراء "اللايك"

تم النشر: تم التحديث:

أحب أن أبدأ من سؤال (لماذا أكتب عن سيكولوجية اللايك؟)، السبب بسيط للغاية فأنا عزمت على الكتابة عن هذا الموضوع الذي كنت أراه تافهاً حتى حدث أمامي هذا الموقف "حيث كنت متواجداً في غرفة العمليات الجراحية كفترة تدريبية وبدأ الاستشاري بإجراء العملية ويساعده نائب الجراحة،

ومهمتي أن أرى كيفية إجراء العملية، حينها لم أسمع شرحاً عن كيفية إجراء العملية ولكني سمعت حديثاً بدأه الاستشاري عن صفحته على الفيس التي ينشر فيها صور عملياته الناجحة وعدد اللايكات، والنائب يتفاعل معه، وكل هذا الحديث يتم أثناء إجراء العملية"، الموقف انتهى،

ولكن نظرتي للفيس ولموضوع اللايكات لم تنتهِ، أمر اللايكات أصبح أهم من التركيز في العملية الجراحية التي تُجرى لإنقاذ حياة إنسان، الأمر صادم ويستحق الدراسة الأكاديمية للموضوع بجدية!

الفيسبوك لا يفضح سيكولوجية الشخص نفسه فقط، وإنما يفضح سيكولوجيته تجاه الآخر صديقاً كان أو قريباً أو غريباً أو حتى عدواً؛ لذلك يجب أن ننتقي من تضيفهم إلى عالمك الافتراضي!

أولاً تعرفت على موقع "الفيسبوك " منذ 8 سنوات تحديداً عام 2008؛ حيث كان الفيس يتواجد به السكان الأصليون فقط وهم (الافتراضيون) الذين لديهم اختلاف فكري مع المجتمع وكلام لا يتقبله المجتمع إلى أن بدأ الزحف المقدس نحو الفيس، زحف من الواقعيين المشوهين والمشوهين للآخرين والمسيئين والبذيئين، وامتلأ بهم الفيس امتلاء،

بل وجدوا أن السكان الأصليين مصدر قلق وإزعاج لهم بمثاليتهم ورؤيتهم، فبدأ بشكل ما بالسخرية منهم بإطلاق عليهم لقب "كائن فيسبوكي"، والسخرية منهم واتهامهم بأنهم فشلوا في الواقع، فاتجهوا للافتراضي وأنهم كائنات ليست اجتماعية واتهامات لا مثيل لها، وبدأ هؤلاء الوافدون لكثرة عددهم يضعون قواعد جديدة لهذا فنقلوا معهم واقعهم المزري إلى الافتراضي كالحقد والكره والمقارنات التي تترك الضغينة والعداوات والبذاءات،

لدرجة تشعر أنك تجلس على قهوة بلدي بشاي غير ذي الرائحة الغريبة، والسحلب في الكوباية غير النظيفة، ودخان الشيشة، وبدأت تظهر كلمات مثل موجهة ومقصودة وتلقيح كلام ممنهج يدخل في نطاق (الردح الفيسبوكي)، وهذا ردح مهذب غالباً يوضع في بداية البوست أو نهايته كلمة (موجهة) أو (مقصودة) وينتهي بالبلوك للشخص، وتشعر حينها أنك قد انتصرت لنفسك، وأشعلت في داخله ناراً لا تنطفئ!

هؤلاء الأشخاص غالباً متعبون وهم في الواقع، وأيضاً منفرون وهم في العالم الافتراضي، أي أنهم منفرون في كل أحوالهم، أضفت أحدهم في قائمة الأصدقاء بدأ كتابة بوستات من نوعية (أن الفيس مكان يستخدمه المرضى، الفيس مكان سيئ، الفيس فيه اختلاط، وما إلى ذلك)،

ثم بدأ هذا الشخص الذي عاب على الكل استخدام الفيس، في النشر بكثافة والمداومة على استخدامه؛ بل إنه بدأ في نشر مقطوعات صوتية له أثناء قراءته وإنشاده، وعند اندهاشي عن سبب تحوله الجذري في رأيه كان رده: إنه أراد أن يكون للصالحين مكان وسط هؤلاء الفاسقين، يعتبرنا هو وأمثاله فاسقين مسيطرين على المكان، وهو مهمته تخليص المكان من نجاستنا!

وآخرون وهم الغالبية أضافوا الواقع إلى الفيس بكامل مفرداته من أشخاص بالعمل وزملاء الجامعة ودكاترة الجامعة، وآخرون يضيفون معارفهم، وفي كل الأحوال لا يتفاعلون إلا مع أصدقائهم الذين يعرفونهم فقط، وبدأ المعظم يخاف على منظره في الافتراضي الذي من المتوقع أن تكون فيه بلا قيود شكلية!

(كلما كان البوست يعبر عن تسلية وتفاهة ونكتة كان بالطبع عدد اللايكات كثيراً جداً، ويقل عدد اللايكات على بوستات ذات أهمية).

قاعدة مهمة

اللايك أصبح يأتي من ورائه مشقة، أصبح في اللايك أعراف وتقاليد، من أهمها أن أي صورة شخصية لا بد من وضع لايك لها، وأنك عندما تجامل بلايك يأتي لك بلايك على صورة عندما تضعها، وهناك من يضع اللايك علامة المحبة والاهتمام، واللايك الذي يوضع فقط كدليل احترام وتقدير للشخص وغالباً تضعه لأستاذك أو مديرك،

أعرف أناساً عند وجودهم كانوا يضعون اللايك على منشوراتهم، واللايك المصلحة تضعه لشخص تريد منه مصلحة أو تُمهد الطريق لطلب منه مصلحة وبعد انقضاء المصلحة تنقطع عنه اللايك.

اللايك التعارفي هو مجموعة من اللايكات المتبادلة توضع عند بداية الصداقة على الفيس، وهناك من يضع "لايك" على الرغم من أنه حدث مأساوي كالوفاة والحوادث، وهناك الشخص الذي يضع اللايك على كومنتات تحمل الشتيمة لك في البوست الخاص بك،

وهذا يظهر بكثرة عند نشرك لبوستات سياسية، وهناك الشخص الذي يقرأ كل صغيرة وكبيرة ويتابع كل تفصيلة ولا يضع لك (اللايك) بل وعندما يقابلك يبدي ملاحظاته على أفكارك وصورك ويسألك عن كل شيء!

هناك نوعية سيئة من الأشخاص هم الأشخاص الذين يتغذون على معاناة الناس وفقرهم واحتياجهم، فيعرضون مشاكلهم لا لشيء إلا من أجل اللايكات، فيتكلمون عن عن قصص مؤثرة لحالات مثل السيدة الفقيرة والبنت اليتيمة والمريض الذي ليس له ما يكفيه، والبنت التي تعاني من زوجها، والمرأة التي لم ترزق بمولود،

ثم تجد أن تلك القصص، إما من وحي خيال أو قصص قديمة لأشخاص تم حل مشاكلهم أو قصص حقيقية يتم عرضها لأخذ العبرة منها، فيجعلون مآسي الناس عِبرة لهم ويتغذون عليها؛ ليشعروا هم ومن على شاكلتهم أنهم هم الأفضل في الحياة فيحمدون الله، رغم أن من أصابتهم المآسي يحمدون الله على الرغم مما أصابهم!

أنا اتخذت قراراً بأن أي شخص سيئ في الواقع لن أضيفه في الافتراضي (الفيس)، الشخص دائم التلقيح عليك بصورة غير مباشرة سأحذفه، الشخص الذي يعتقد فيك أنك مجرد كمالة عدد سأحذفه، الشخص الذي يجعل الفيس أكبر همه سأحذفه، أي شخص يخلط الواقع بالافتراضي سأحذفه، بعد اتخاذي لهذا القرار حذفت ما يقرب من 500 شخص كانوا متواجدين في قائمة أصدقائي، فلننعم بالافتراضي ونترك لهم الواقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.