المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

أزمة "اعتقال" الدواء!

تم النشر: تم التحديث:

"يجب تداول الصدمة (الأزمة) في العلن، ويجب أن يكون الشعب ملماً تماماً بالتفاصيل حتى يكون مفعولها قريب الأجل، فكلما ازدادت إحاطة الشعب بها، سهلت ردود فعله عملية التغيير" - فريدمان وهو ينصح الجنرال بينوشيه.

(1)

طريقة الأزمة جديدة نوعاً ما، أزمة اعتقال السلع، وعلى رأسها الدواء، اعتقل سلعة يبدأ الشعب بالبحث عنها، وفّر السلعة بشكل متوسط لتجعل الناس يعترفون بوجود أزمة حقيقية غير مفتعلة، ولكن بأسعار مرتفعة مع ذكر أسباب حقيقية لزيادة الأسعار، ولا تنسَ كبش الفداء الذي سوف يخرج الناس غضبهم فيه، ويلقون باللوم عليه، ويسمح لهم بالتنفيس، مع إطلاق بعض النماذج الشابة التي تتناول الموضوع.

بدأ الموضوع بتعريف الناس بمشكلة غير حقيقية هي أن هناك منعاً لاستيراد الأدوية، وهذا غير صحيح، بل كنت ترى بعض الأطباء ينشر هاشتاغ "ارفعوا حظر استيراد الأدوية"، ثم حدث نقص مفاجئ لبعض الأدوية الهامة، (وهي صناعة مصرية في الأساس) التي تُحدث تأثيراً عاطفياً مع مطالبات رفع الحظر (غير الموجود من الأساس) كأدوية السرطان وأدوية الأطفال وأدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكر، ثم توفير تلك الأدوية بأسعار مرتفعة دون وجود قرار برفع الأسعار، غير أنه كيف تم توفير تلك الأدوية وهناك حظر كما يدَّعون؟!

ثم أصبح ارتفاع أسعار بعض الأدوية الاستراتيجية أمراً واقعاً تفاعل الناس معه بمبدأ "المهم نلاقيه بأي ثمن"، وهنا بدأت المفاوضات الرسمية مع الحكومة بعد تهيئة الشارع لتقبل قرارات زيادة الأسعار.. مسرحية عبثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أصبح المونولوج بيتعمل على الشعب وليس للشعب!

المستحيل قد حدث، وهو أن يتم اعتقال "تخزين" الدواء من أجل المحافظة على مكسب الـ3 أضعاف، بدلاً من الاكتفاء بمكسب ضعفَين أو ضعف واحد فقط، المتاجرة بالدواء وجعله سلعة، يمارسون هذا ويعلنونه للناس بتوقيتات محددة بلغة مباشرة دون أي خجل، يجتمع أصحاب المصالح، ويقررون علناً أنهم سيرفعون أسعار الدواء الذي يتناوله المرضى الفقراء حفاظاً على مكسب الـ 3 أضعاف.

كانوا في السابق يخططون للحصول على حقوق ليس حقوقهم، دعنا نطلق عليها (امتيازات خاصة)، بدلاً من لفظ "السرقة"؛ لأنها تصيبهم بالحنق، كانوا يلجأون لأسلوب "بُص العصفورة" خجلاً منهم أن يعرف الشعب بتلك الامتيازات، فكانوا يسوقون مجموعة من التبريرات لإقناع الناس بها، ولكننا أصبحنا الآن في وضع مأساوي مؤسف للغاية، يعرف الشعب كل تفصيلة من تفصيلات الامتيازات، بل ويتم الإعلان عنها من قِبل أصحابها الجدد الحاصلين عليها، وبل تكون مساراً يسير عليه من يريدون الاقتداء بهم، القانون من الممكن أن يتم كسره من أجل إقرار أمر واقع على الناس، وفي غياب القوانين تكون المكاسب خيالية، وليس ثلاثة أضعاف فقط!

(2)

في اللغة الصينية تكتب كلمة أزمة في شكل حرفين (Wet _ ji) أحدهما يمثل الخطر، والآخر يمثل الفرصة، ماذا يعني ذلك؟ يعني أن هناك فرصة لاستغلالها إما لصالح المواطن أو لصالح أصحاب المصالح، بمعنى آخر لا يتم تحميل المواطن المصري أي أعباء إضافية من قبيل ارتفاع أسعار الأدوية.. ولكن كيف؟!

البداية تكون بمنح إعفاء جمركي وضريبي على أدوية الطوارئ والأمراض المزمنة، حتى وإن كان بشكل مؤقت لحين وضع خطة بعيدة المدى، ولكن تتحمل الدولة الأعباء إلى أن يتم ذلك؛ ثم إطلاق يد هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات لتقليل نسبة الفساد التي قال عنها المستشار جنينة قبل إقالته، إن حجم الفساد 600 مليار جنيه مصري، ولم يصدقه أحد، ولكن أعتقد أن الكل مرغم على تصديقه بعد قضايا الفساد التي ضبطتها أجهزة الرقابة الإدارية في أسبوع، ونذكر منها على سبيل المثال:
ضبط موظف بمجلس الدولة بحوزته 110 ملايين جنيه في بيته نظير الاستيلاء على رشاوى، وضبط وكيل مصلحة خبراء العدل أثناء تقاضيه رشوة الـ350 ألف جنيه بأحد الأندية في مصر الجديدة، وضبط أمين سر محكمة حفظ الجنح المستأنفة بنيابة قنا لاختلاس أوراق 600 قضية من قضايا تبوير الأراضي الزراعية ما تسبب في ضياع مستحقات الدولة، والكشف عن إهدار 11 مليوناً و510 آلاف جنيه بقطاع الإسكان في المنوفية، وضبط رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للتنمية الزراعية متلبساً بتقاضي رشوة 200 ألف جنيه من إحدى الشركات نظير إسناد أعمال توريدات لها، وضبط مأمور ضرائب أثناء تقاضيه مبلغ 100 ألف جنيه من إحدى الشركات لتخفيض الضرائب المستحقة عليها، بقيمة 4 ملايين جنيه، وتحويل تلك الأمور من أجل تخفيف العبء عن المواطن حتى ولو بشكل مؤقت لحين تحسن الأوضاع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.