المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

اليأس قد يكون بداية .. قراءة في تجربة دوستوفيسكي

تم النشر: تم التحديث:

لحظات اليأس هي أنسب وقت لإجبار نفسك على أن تكون أشد عزماً, استولد في ذلك الطاقة الداخلية لكي تتجاوز الحظر، كل خطأ ترتكبه يمكنك تصحيحه بمزيد من الجرأة، تجاهل المحبطين الذين يدعونك للانسحاب عند كل خطوة مهمة في حياتك، زخمك الداخلي سيقودك الى الفوز !

أعظم ضعف في حياتنا هو فقد الجرأة وفقدان معه الهدف, ونصبح دائماً حذرين بدون داع، الخوف من أقل شيء وأحياناً من لا شيء !

نصيحة غالية يقدمها صان تسو "مهما كانت الأوضاع والظروف سيئة وحين تكون لديك كل أسباب الخوف، فلا تخش شيئاً، وحين تحاصرك المخاطر، فلا تخش منها شيئاً، حين تنعدم الموارد لديك اعتمد حينها على انعدام الموارد".

يقصد صان تسو من كلامه أن تتصرف كأنك تملك الدنيا، فأحيانا التحرك بدون ضغوطات يكون مفيداً ويتيح لك حرية التصرف وحرية تحمل المسؤولية، فالخسارة قد أتت فإذا أتت ثانية فهذا معتاد، ولكن إذا أتى النجاح فسيقلب الموازين لأنك حينها لم تنجح فقط ولكنك قلبت الطاولة وخرجت من رحم الفشل الى الإنجاز الذي لا يعبره إلا القوي بنفسه، والناس الآن ضعفاء يحتاجون الى حبوب ثقة بالنفس، فتراهم يلجأون لعادات الطب النفسي للاستشارة.

يقولون في كتب التاريخ إن خطى الإسكندر في سيطرته على العالم تصلح لأن تكون مثالاً جيداً في إدارة حياتك, فأولاً قم بتوضيح حياتك وفك شفرتها وقرر الشيء الذي قررت أن تفعله والطريق الذي تريده أن تصل من خلاله، وتخيل نفسك تحقق هذا المصير، وهذه إحدى نصائح أرسطو التي تقول أن تحكم عواطفك جيداً وتعلم التفكير قدماً قائلاً لنفسك: "هذا التصرف سيقربني أكثر من هدفي، أما هذا فلن يفضي الى شيء"، وهذا سيبقيك على الطريق الصحيح.

فاليأس أحيانا يكون نعمة لإرشادك للطريق الصحيح والهدف الصحيح والعمل الصحيح، فاستغل أفضل ما في اللحظة وابتعد عن السيئ فيها، يقولون إن الولادة الجديدة وأنت بالغ ممتعة كثيرة فلا تضيعها .

في عام 1845 صَدم الكاتب دوستوفيسكي الذي كان في سن الـ24 الوسط الأدبي بنشر أولى رواياته "المسكين" حتى أنه أصبح مُعترفاً به داخل هذا الوسط، وبدأ في تلك الأثناء انجرافه الى محيط الساسة اليمينيين وبدأ يحضر اجتماعات اشتراكية راديكالية، وبعد 3 سنوات اندلعت الثورة في أنحاء أوروبا، فبدأت تلك المجموعات تحذو حذو مثيلتها في أوروبا، لكن جواسيس القصير نيكولاس اخترقوا العديد من الاجتماعات والمجموعات وكانوا يرسلون تقارير عن تلك الأمور .

كان دوستوفيسكي مؤيداً لتحرير الفلاحين المملوكين إقطاعياً، وتم القبض على 24 عضواً من بينهم دوستوفيسكي، وقضى 8 أشهر داخل أحد السجون، وفي صبيحة ذات يوم قِيل لهم إنهم سيسمعون أخيراً الأحكام الصادرة بحقهم، وتم وضعهم في عربات واقتيدوا في شوارع بطرسبرغ حتى وصلوا إلى الساحة الرئيسية، حيث حياهم كاهن، واقتيدوا إلى منصة الإعدام وسط الساحة.

لم يصدق دوستوفسكي ما تراه عيناً همس للرجل الواقف بجواره "لا يعقل أنهم يريدون إعدامنا"، كان يوماً بارداً وكان السجناء يرتدون الملابس الخفيفة، وتم سمع قرع الطبول وتقدم ضابط وتلا عليهم حكم بالإعدام رمياً بالرصاص... انتهى الأمر حينها !

كان دوستوفسكي حينها يحدق النظر في القبة الذهبية لكنيسة مجاورة، وخطر لذهنه أنه على وشك العبور الى الظلمة نفسها، وخطرت له فكرة أخرى أنهم إذا لم يمت، ستبدو حياته فجأة لا نهائية، كل دقيقة ستصبح قرناً من الزمان، لن يهدر ثانية واحدة من حياته بعدها !

وأعطي السجناء الأقنعة وتقدم الكاهن لكي يقرأ الشعائر الأخيرة ويسمع اعترافاتهم، وفجأة وصلت عربة مسرعة الى الساحة وترجل منها شخصاً يحمل مغلفاً، المفاجأة أن القيصر خفف الحكم الى 4 سنوات عقوبة شاقة بدلاً من الإعدام يتبعها فترة خدمة في الجيش !

تأثر دوستوفيسكي وكتب رسالة لأخيه "حين أنظر الى الماضي وأفكر في المستقبل وفي كل السنوات التي أهدرتها في الخطأ والتبطل، ينزف قلبي ألماً، كل دقيقة يمكن أن تكون أبدية من السعادة، فقط لو يعرف الشاب ذلك، الآن سأولد من جديد" انتهت الرسالة.

خلال السنوات الأربع التالية تحمل أقصى ظروف السجن ولم يمنح حق الكتابة، ولكنه كتب رواياته في رأسه، الى أن جاء في فترة العقوبة في الجيش وسمح له بالكتابة واستكمل نشر أعماله، صار الآن يكتب بلا توقف، كان أصدقاؤه يرونه وهو يمشي متمتماً الحوارات، غارقاً كليا في شخصياته وحبكاته القصصية.. وأصبح شعاره الجديد "حاول أن تنجز أقصى ما يمكنك إنجازه في أقصر وقت ممكن".

أصدقاؤه كان يشفقون عليه بسبب الفترة التي قضاها في الجيش والسجن، وكان ذلك يغضبه وبشدة، فهو دائماً يشعر بالامتنان لهذه التجربة ولا يشعر بالمرارة، فهي من أيقظت قدرته الروحية، ومن حينها تابع الكتابة بجنون مؤلفاً الرواية بعد الرواية, وظل طوال حياته يعيد قسمه بألا يهدر أي لحظة أخرى من حياته، حتى أنه إذا شعر بأنه راضياً عن نفسه أو مرتاحاً يذهب الى الكازينو ويقامر بكل أمواله، كان الفقر والديون بالنسبة اليه نوعين من الموت الرمزي يعيده الى الانعدامية المحتملة للحياة .

لكن دوستيفسكي الذي لم يحول فقط لحظة فشل الى نجاح.. بل حول لحظة موت الى حياة أبدية الآلاف ومن بينهم أنت تقرأ قصته والملايين يقرأون رواياته ويحفظونها عن ظهر قلب .
إنسان عرف قيمة الحياة فلم يهدر ثانية، أنت بالتأكيد لا تحتاج لحكم إعدام لكي تتحول الى عظيم، أنت عليك أن تدعك من الراحة ولو قليلاً وتدخل الى الحياة وحينها ستعرف أن الحياة خلقت لكي تكون ذا علامة فيها .

عليك فقط أن تضع نفسك في ذلك الإحساس الطارئ بتحمل المسؤولية وحينها ستعرف نفسك جيداً بل وطريقك الى هدفك.. فقط ابدأ !

كيف يعيش الإنسان دون حلم يكون أمامه يتخيليه ويعيشه كل لحظة في حياته يستمد منه القوة، فالحياة خلقت على الأمل والأمل خُلق على الحلم للمستقبل المشرق.. حلم يصدقه ويكون من أجله الاشتغال بعظائم الأمور ويكون بسببه من أصحاب الهمم العليا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.