المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أسامة سعودي Headshot

طوبى للمساكين الذين يملأون صفحات التاريخ.. فالله يذكرهم!

تم النشر: تم التحديث:

طوبى لهذا المسكين الأعمى، الذي بحث عن الله، وقصد النبي ليسأله فعبس وتولى عن الأعمى، قاصداً شخصاً آخر لا يريد الإسلام. لم ير الأعمى عبوس النبي وتولية وجهه، فهو أعمى، ولكن الله رأى ذلك، وعلم ما في قلبه بأنه يريد الله فقط، فلم ينسه الله، وسطَّره في صفحات القرآن يتلوه الناس، معاتباً النبي قائلاً في بداية سورة "عبس"، "عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى". طوبى لهذا المسكين.

وأنت في بئر همومك التي ابتلعتك وأحاطت بجوانبك تشبه يوسف الطفل المسكين، كان طفلاً في كل شيء، شعوره وإيمانه ودموعه وسكونه، لانقطاع الأمل، الذي تكاثر عليه إخوته فقذفوه في بئر عميقة حيث اختلجت الأمور بداخل صدر الطفل يوسف ولم يفعل شيئاً سوى أن ينظر إلى الأعلى متأملاً في أشعة الشمس التي تقتحم البئر، بأن تكون خيوط حبل تسحبه لأعلى، وكان أنْ مرت قافلة العزيز، وأرادوا الماء، فتحولت أشعة النور إلى خيوط، فالتقطه العزيز وأكرمه، فصار العزيز!

عليك أن تبقى ساكناً كـ"يونس" المسكين، عندما التقمه الحوت فظلَّ في بطن الحوت ساكناً لا يتحرك، فحوله ظلمة، وهو يعرف أنها ليست ظلمة البحر، بل هي ظلمة داخل كائن يعرفها جيداً، فهي تشبه الظلمة التي كانت بداخله وجعلته في مثل هذا الموقف الصعب، ظلمة الماضي وما اشتمل من أفعال وأقوال، حتى عندما اقترع القوم أيهم يرمي بنفسه لينقذ السفينة كان هو في كل مرة تشير إليه القرعة.

اعترف حينها للبحارة بأن النوء العظيم بسببه، لأنه مذنب، إذن هو شخص يستطيع أن يواجه الواقع ويعترف بشجاعة، أعادها القوم ثلاث مرات لعلمهم بمكانة يونس، ولكن الظلمة كانت قد التهمته قبل أن تلتهمه ظلمة الحوت فألقوه في اليم والتقمه الحوت، حرك لسانه فوجده يعمل فلهج بذكر الله، فكما أخرجه من ظلمة الرحم فليخرجه من ظلمة الحوت، فلفظه الحوت بعيداً على الشاطئ، ووجد اليقطين يميل عليه ليحميه كما تفعل الأم مع ابنها عند ولادته، فهو ضعيف كالطفل، سقيم هش لا يقوى، يحتاج إلى من يسكن إلى ذراعه ليحتويه، وليس أفضل من اليقطين لتلك المهمة.

يقول أحد علماء النفس، وهو يحلل سيكولوجية يونس وتركه لأهل نينوى لأنه كان خائفًا من أن يندم سكان نينوى، وأن الله سوف يسامحهم، يقول إنه إنسان ذو شعور قوي بالنظام والقانون، ولكنه من دون حب، ودعني أضيف (بدون رحمة). ونسي أن الله موجود في المدينة الأخرى التي سيذهب إليها، وركب السفينة وهو يعلم أن الله هو إله البحر، كما أنه إله البر أيضاً، أمسكه الله في البحر، وهيَّج الأمواج عليه وعلى السفينة كلها.

فالإنسان العاقل لم يستأذن الله قبل الفعل، فسلَّط عليه الحيوانات متمثلة في الحوت، وفي نبات اليقطين ومخلوقات أخرى كالأمواج، لتأتي بهذا المسكين لجناب ربه ليتوب على هؤلاء المساكين المتمثلين في قومه، ليتوب عليهم وتذكرهم صفحات التاريخ، متمثلة في الكتب المقدسة (الإنجيل والقرآن) لتروي قصة المسكين يونس والمساكين الآخرين باقي قومه.

لقد دخل شعب نينوى في التاريخ، ولم تكن لهم مظاهر عظمة تدعو إلى ذلك على الإطلاق سوى التوبة والرجوع إلى الله، كانت توبة عظيمة شملت شعباً بالآلاف، بدءاً من الملك إلى أصغر شخص في الشعب. التوبة سبب كاف لهؤلاء المساكين الذين لا يجيدون سوى اللهم ليلجأوا إليه!

يوسف طفل يناسبه الماء القليل في البئر المكشوف للسماء، أما يونس فبلغ من الرشد ما بلغ، فيناسبه ماء بحر كثير، وظلمة بطن حوت لا يرى السماء من خلالها، فلا تبتئس يا أخي هنالك طوق نجاة مناسب لك، ومحنة أيضاً مناسبة لك، فأنت لستَ مثل فلان، لأنك فريد متفرد، خلقك الله، والله لا يكرر خلقه فأنت لست مثل أحد.

عليك بالسكون كيوسف في البئر، ويونس في البطن، وليفعل الله ما يريد!

طوبى للمساكين، طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله، هؤلاء الذين يقطعون المسافات إلى الله بقلوبهم، الذين لا يحتاجون آية من السماء تظل أعناقهم خاضعين لها، فهم هبّوا لله بقلوبهم لأنهم يعلمون أنه يريد قلوبهم لا أعناقهم، طامعين في الله، ولا يلجأون لعباد الله إلا ليسألوا عن الله، لتزداد معرفتهم بالله. طوبى للنبي محمد عندما دعا الله أن يحشره في زمرة المساكين، مجيباً عن سؤال لماذا؟ بأن الله يعينهم ومعهم ويهديهم ويقربهم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.