المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الرفاعي  Headshot

المسلمون في الغرب.. الأقلية المنبوذة

تم النشر: تم التحديث:

في شهر يناير/كانون الثاني الماضي تعرض مسجد بمدينة كيبيك الكندية لهجوم جبان من شخص يميني متطرف، اقتحم المسجد وفتح النار على المصلين فيه، فقتل ستة وجرح سبعة عشر آخرين وهم مشغولون في صلاتهم.

وفي هذه الأجواء العصيبة تعرضت مساجد أخرى في أميركا وكندا وأوروبا للاعتداء وتكسير زجاج النوافذ، أو للحرق والتدمير الكامل.

هذه الحوادث دفعت الكثير من المساجد لتكبد عشرات الآلاف من الدولارات فوق طاقتها لشركات "السكيورتي" والأمن، من أجل تأمين الصلوات، أو لشراء كاميرات المراقبة خوفاً من التهديد؛ حتى إن بعض المساجد تناقش إغلاق أبوابها في الأيام العادية، أو العمل ساعة صلاة الجمعة فقط.

لقد أصبح مجرد التفكير في الذهاب إلى المسجد للصلاة في بعض المدن الغربية ذات الأقلية المسلمة، مغامرة غير محسوبة العواقب، وإنك لترى القلق والترقب والخوف من المستقبل في العيون.

وترى الحيرة والشك وعدم الاطمئنان حاضر في كل مناسبة، فالأقلية المسلمة، كما تقول بعض التقارير، أصبحت أكثر أقلية مكروهة ومنبوذة في الغرب الآن.

كيف سمح المجتمع الغربي المتحضر بهذا؟

هذا السؤال يقودني لأهم درس تعلمته في هذه الفترة من حياتي، وهو درس أعمق وأبلغ من نقد المجتمع الغربي، أو إسداء النصح له؛ لأن مجتمعاتنا ذات الأغلبية المسلمة أولى بأن تتعلم هذا الدرس.

أليس الشعور الذي تعيشه الأقلية المسلمة في الغرب هو نفس الشعور الذي تعيشه بعض الأقليات الدينية في بلادنا العربية والإسلامية؟ يا الله! كيف لم أفكر في هذا من قبل؟

أنا على يقين أن كثيراً من أبناء "الأغلبية" في بلاد المسلمين لن يعي أبعاد ما أقول؛ لأنهم لم يجربوا ذات الشعور. نعم؛ لن يفهم الكثيرون أن "الصلاة" أو ممارسة "الشعائر الدينية" تمثل خطراً على حياة أبناء بعض الأقليات الدينية في بلادنا.

أما أنا، فلأول مرة في حياتي أحس من أعماق قلبي بشعور الأقلية الضعيفة الخائفة، هذا الشعور الذي يعيشه "المسيحي المصري" إذا أراد الذهاب إلى الكنيسة، بعد تكرار حوادث تفجير الكنائس، وهو ذات الشعور الذي يعيشه "الأيزيدي أو المسيحي أو السني العراقي" عندما يكون الذهاب إلى كنيسة أو مسجد أو معبد عملية انتحارية.

وهو عين الشعور الذي يعيشه "الشيعي السعودي" عندما يكون مجرد الإعلان عن مذهبه خيانة للوطن، وهو نفس الشعور الذي يعيشه "السني الإيراني" عندما يكون الإعلان عن مذهبه مغامرة قد تقوده إلى حبل المشنقة.

وأنا هنا لا أضع جمهور المسلمين والعرب في موضع اتهام؛ لأنني أعلم أن الذين يهددون الناس في صلواتهم هم فئة متطرفة ومارقة من الإسلام والمسيحية ومن كل دين وملة.

ولكني أعلن لكم -وعن تجربة شخصية- أن مجرد "التعاطف" لا يكفي، ومجرد "الإدانة" لا تكفي، ومجرد "الحزن" أو "التألم" لتهديد الناس في صلواتهم لا يكفي.

نعم.. لا يكفي؛ لأنني جربت تعاطف الأصدقاء في حالات الخوف، ووجدت أنه لا يكفي، ولا يغير شيئاً من الواقع.

أنا لا أريد من أحد مواعظ عن قوة الإيمان والتوكل على الله، أو كلمات من التعاطف أو الرثاء؛ بل أريد أن يغير الناس من طريقة تفكيرهم ونظرتهم إلى الآخر، ولهذا أكتب عن هذه التجربة.

وللحقيقة، فإن الأقليات المسلمة في الغرب أسعد حظاً من الأقليات الدينية في بلاد المسلمين، وذلك لأن الغرب ما زالت به "دولة القانون" قوية، ولا زال به "المجتمع المدني" حاضراً بقوة ضد التمييز العنصري (وفي هذا أمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها).

أما في بلاد المسلمين، فقد غاب المجتمع المدني، وغاب القانون، وغابت الحكومات -أو تآمرت- على الأقليات أو استعملتها كلعبة للابتزاز السياسي.

إننا كأغلبية لم نفعل ما يكفي حتى تكون صلوات الأقليات وممارساتهم الدينية، عملاً طبيعياً، مريحاً، وليس مصدراً للخوف والقلق على حيواتهم، وما من شك أن هناك مشكلة فكرية ومجتمعية في المجتمعات الإسلامية سمحت بظهور النزعات المتطرفة ضد الأقليات، وقبلت بوجود الروح التبريرية لتلك النزعات.

هذه المشكلة لا علاقة لها بأصل الإسلام، ولكنها من مخلفات عقود الانحطاط والجهل، التي رزحت تحت نيرها مجتمعاتنا حين من الدهر.

وليس هذا الاعتراف صك براءة لأتباع الديانات الأخرى، فالأقليات المسلمة في كثير من بلاد العالم تعاني من التمييز والاضطهاد، وها هم مسلمو بورما وإفريقيا الوسطى وغيرها، يبادون دون أن يحرك العالم ساكناً، ولكن كل هذا لا يعطي لأحد صكاً أو مبرراً لترويع الآمنين والمسالمين من أتباع الديانات الأخرى في بلاد المسلمين.

أما الأمر الثاني الذي تعلمته من هذه التجربة فهو أن "التعصب المذهبي" و"الكراهية الدينية" موجودان في كل المجتمعات، سواء كانت شرقية أم غربية، متقدمة أم متخلفة، متعلمة أو جاهلة، وإن كانت بدرجات متفاوتة.

ولكن الفارق الجوهري هو كيف يتعامل كل مجتمع مع هذه الظاهرة: هل يتجاهل؟ هل يبرر؟ هل يكتفي بالتعاطف؟ أم يأخذ خطوات عملية؟
الدور الأهم يقع على المثقفين وأهل الرأي والفكر؛ إذ عليهم أن يأخذوا على عاتقهم تثقيف شعوبنا وتعليمها أن الحريات الدينية حق -غير مشروط- من حقوق الإنسان، كما أنها أصل من أصول الإسلام (لا إكراه في الدين)، والتسامح الديني هو أعلى درجات الرقي الحضاري والإنساني.

وأخيراً، إذا كنا كمسلمين نحب لأنفسنا أن نمارس شعائر ديننا -في أي مكان- بحرية كاملة، فعلينا أن نسمح ونحب للآخرين بأن يمارسوا شعائر دينهم بحرية كاملة أيضاً، وإذا كنا كمسلمين نكره أن نكون "الأقلية المنبوذة" في أي مكان، فعلينا ألا نجعل من أي أقلية "أقلية منبوذة" بيننا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.