المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الرفاعي  Headshot

إنهم يطاردون الفقراء في قبورهم

تم النشر: تم التحديث:

أنطونيوس صديق أمريكي من أصل يوناني، يكسب قوت يومه من بيع بعض أعماله الفنية، التي يعرضها على المارة، في محطة القطارات. ومن المُسلي أن تتحدث إليه؛ فهو أقرب إلى الفيلسوف منه إلى الفنان.

ذات مرة، سألته عن والدته، وعن صحتها. فرد بالقول: من أخبرك بأن والدتي تعيش معي؟ قلت أنت أخبرتني بهذا. قال: حسناً، هي الآن تسكن معي، ولكنها لا تعيش معي. قلت في دهشه: وما الفرق بينهما يا عزيزي؟
قال: لقد ماتت والدتي منذ ثلاثة شهور، وقمت بحرقها ووضعت رمادها في زجاجة. وأنا الآن أحتفظ بها في هذه الزجاجة. فهي تسكن معي مؤقتاً، حتى أشتري لها قبراً.
يا إلهي! كيف تجرؤ على حرق جسد والدتك بعد وفاتها يا أنطونيوس؟

يا عزيزي: أنا فقير كما ترى، ولا أملك تكلفة شراء قبر لأمي، ولست وحدي من يفعل هذا، فغالبية الفقراء هنا يفعلون مثلي. لقد وصلت نسبة من يلجأون لإحراق موتاهم، أو ما يسمى بالكريماشن (Cremation) في أمريكا إلى حوالي 50%، وهي ضعف ما كانت عليه النسبة عام 1999.

لم يترك لنا وحوش الرأسمالية، الذين حولوا كل شيء إلى بيزنس، أي خيار آخر. حتى الموت، حولوه إلى بيزنس يا صديقي. هل تعلم أن قيمة بيزنس الجنازات في أمريكا وحدها، قد بلغ 14 مليار دولار، كما قدّرته مجلة التايمز الأمريكية، ولا يدخل في هذا أسعار المقابر الباهظة بالطبع.

يأخذ الفقراء موتاهم إلى المحرقة، والتي تحتوي على فرن ضخم، يوضع فيه الميت، ليخرج بعدها حفنة رماد. ثم يوضع هذا الرماد مع ما تبقى من عظام، لم تأكلها النار، في خلاط حديدي لطحنه. ثم يسلم لذويه في زجاجة، بعضهم ينثر محتواها في الهواء، والبعض الآخر يحتفظ بها. وأنا أحتفظ بتراب أمي، حتى أشتري لها يوماً قبراً تسكن فيه إلى الأبد.

الفقراء يا عزيزي لا يعانون من أزمة السكن فقط، وهم على قيد الحياة، ولكن هذه الرأسمالية المتوحشة تطاردهم حتى قبورهم. هل تعلم أن الكنيسة في اليونان تحرم حرق جثث الموتى؟ ولذلك فالفقراء هناك يستأجرون القبور؛ لأن تكلفة الشراء مرتفعة جداً. وبعد مرور ثلاث سنوات من الإيجار يأخذون ما تبقى من رفات ذويهم، لوضعها في مكان مخصص لتجميع رفات الموتى، يدفعون له مرة واحده.

كان قلبي يرتجف وأنا أسمع حديثه، ثم ردت عليه بالقول: يبدو يا صديقي أنه لم يعد هناك مكان للفقراء على هذا الكوكب. حتى حلم "المتر في المتر" الذي طالما حلم به الفقراء، ليواري أجسادهم، التي ربما لم تعرف الراحة يوماً، قد أصبح من الماضي البعيد.

برغم فظاعة "الكريماشن" إلا أنه لا يحظى بجدل كبير في بلاد الغرب عموماً. فالكنيسة في أغلب الدول الغربية لا تحرّم حرق جثث الموتى، وكذلك لا تواجه هذه العملية أي رفض مجتمعي، بل يتزايد الإقبال عليها يوماً بعد يوم في أوروبا وأمريكا واليابان.

قلت لصديقي: أظن أن حال الفقراء بعد الموت هو أفضل في بلادي من حال الفقراء عندكم. ففي مصر يجد كل فقير مأوى لجسده بعد وفاته. وعلى أي حال، فالدين الإسلامي يحرم حرق جثث الأموات.

لم أكد أنتهي من مقولتي تلك، حتى سمعت تصريحاً لوزيرة مصرية تدعو فيه رجال الأعمال للاستثمار في المقابر. ولا أدري هل بدأت حكومتنا تقليد الغرب في "استثمار المقابر"؟ وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تقلده في الاستثمار في العقول، والتعليم والصحة، وبرامج الرعاية الاجتماعية، ومعاشات البطالة، وإسكان الفقراء، وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة؟ لماذا لا تأخذون من الغرب مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص؟ لماذا لا تسمحون لأبناء الفقراء بدخول السلك القضائي، والدبلوماسي، والجيش، والشرطة؟

لقد استولى رجال الأعمال في مصر على كل المدن الجديدة تقريباً. وجاء الآن دورهم للاستيلاء على المقابر. أذكر أنني ذهبت مرة مع صديق كان ينوي شراء شقة في إحدى المدن الجديدة، ودخلنا منطقة سكنية يملكها نجيب ساويرس. كانت المنازل فيها تأخذ شكل قباب غريبة. فسألت أحد العاملين هناك: لماذا تأخذ أسقف المنازل هذا الشكل، الذي هو أقرب إلى المقابر منه إلى سكن الشباب؟

فقال: هذه القباب توفر على رجل الأعمال استعمال الحديد المسلح، وبالتالي لا تكلفه الكثير في البناء. فالدولة تعطي الأرض مجاناً أو بأسعار زهيدة لرجل الأعمال؛ ليقوم ببناء شقق بأرخص ما يمكن، ويبيعها للفقراء بأغلى ما يمكن. ماذا سيفعل بنا هؤلاء عندما يدخلون في بيزنس المقابر؟

تتحدث جريدة "البورصة" عن ما يسمى بالمقابر الاستثمارية، وتقول إن جهاز مدينة 6 أكتوبر يقوم حالياً بإنشاء مشروع مقابر "وادي الراحة" بتكلفة 100 مليون جنيه. وأوضحت أن الجهاز سوف يلزم المتقدمين للحصول على المقبرة بسداد 10 آلاف جنيه من قيمة المقبرة، كمقدم حجز فقط، لضمان الجدّية.

وأشارت إلى أن هيئة المجتمعات العمرانية قد تطرح آلاف الأفدنة من الأراضي على المستثمرين، لإقامة مقابر متنوعة. وتقول الجريدة إن المقابر المخصصة للأغنياء تزيد مساحتها ثلاثة أضعاف عن تلك المقابر المقدمة للفقراء. وقد طرحت محافظة الجيزة مؤخراً مدافن بنظام حق الانتفاع لمدة 100 عام (قانون إيجار قديم يعني).

العجيب في الأمر هو أن من دعا للاستثمار في المقابر في مصر هي وزيرة ما يسمى بـ"التضامن" الاجتماعي. في حين أن وزير ما يمسى بـ"العدل" قد وضع تسعيرة لزواج بنات الفقراء من عواجيز الأثرياء، قيمتها 50 ألف جنيه (5700 دولار تقريباً).

ما الذي يمكن أن يستثمره رجال الأعمال في المقابر؟ ألا يكفيكم أنكم ملّكتموهم الأرض التي نسكن عليها، والتي هي ملك للشعب المصري أساساً؟ ألا يكفيكم أن يتحكم رجال الأعمال في سكن الفقراء، ومعيشتهم، حتى تتركوهم يتحكمون في موتهم، وقبورهم؟ ألا يكفيكم، أنكم بعتمونا لهم ونحن أحياء، حتى تبيعوننا لهم ونحن أموات؟

أيضيق الوطن الواسع عن أن يعطي سكناً كريماً لأبنائه في حياتهم، ثم يضيق عن أن يعطيهم مساحة "متر في متر" بعد وفاتهم؟ أتحمّلون الشباب، والفقراء، هموم شراء القبور، وكأنه لم تكفيهم هموم شراء المساكن والشقق، وعبء الحصول على وظيفة؟

لقد تحولت أراض الوطن، الفضاء الواسعة، إلى مدن جديدة لرجال الأعمال، وقصور وفيلات لهم لأولادهم، ومنتجعات سياحية لا يعرف الفقراء إليها سبيلاً. ألا تتركون في أرض الوطن مساحة للفقراء وأولادهم، حتى يموتوا و"يدفنوا" فيها بكرامة، بعد أن فقدوا العيش على ظهرها بكرامة؟ ألم تقولوا: إن الوطن يعني "حضن"؟ أيضيق هذا الحضن، بالفقراء أحياءً وأمواتاً؟

مصر بلد الصحاري الواسعة، والوديان الشاسعة، التي تتاجرون في رمالها، وأحجارها، ومعادنها، ونفطها. ألا يكفيكم التجارة في الشقق، والمدن الجديدة، والعقارات القديمة والحديثة؟ ألا تكفيكم التجارة في الغاز، والبنزين، واللحوم، والتليفون، والماء، والكهرباء، والدواء، والهواء، حتى تتاجروا في المقابر؟

هل هو ذنبنا أننا هتفنا ضدكم يوماً: عيش، حرية، عدالة اجتماعية؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.