المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الرفاعي  Headshot

هذه مؤامرة جديدة لن اصطفف معك!

تم النشر: تم التحديث:

في ربيع عام 2014 شاركت مع مجموعة من الأصداقاء المصريين المقيمين بالخارج، في الإعداد لمؤتمر يناقش الوضع في مصر. كان علينا أن ندعو عددا من رموز العمل السياسي من داخل مصر، وخارجها للحديث.

اتفقنا على معظم المتحدثين، ولكن اقتراحي لاسم الشاعر عبد الرحمن يوسف، أثار جدلاً كبيراً بين أصدقائي، واعترض البعض عليه بشده؛ لأنه كان من الداعين للثلاثين من يونيو/حزيران، ومن المؤيدين لعزل الرئيس محمد مرسي. وقال بعض الأصدقاء بلهجة غاضبة: أسامه.. شبعنا من هذه الألاعيب؛ لن أصطف مع عبد الرحمن.

كنت حريصا على أن نستمع لأصوات مختلفة، عن تلك التي اعتدنا السماع لها، من منصة رابعه، ثم من قنوات دعم الشرعية بعدها. وبعد الاستماع لوجهة نظري، وافق الزملاء مشكورين، على دعوة الأستاذ عبد الرحمن. ووافق الأستاذ مشكورا دون أي تردد.

لا أخفي أنني كنت خائفا من أن تحصل مشادات وخناقات قد تفسد المؤتمر. إلا أن النتائج كانت على عكس ما توقعت تماما. فقد لاقت كلمة عبد الرحمن، ترحيبا واسعا بين الحضور، وأجاب على العديد من أسئلتهم، واستمع إلى عتابهم. اتفقوا معه، واختلفوا معه؛ ولكن في النهاية، شعر الجميع، بأهمية أن نتوقف عن الاستماع لأنفسنا فقط.
الطريف في هذه القصة، هو أن بعض القيادات في حزب مشارك في 30 يونيو/حزيران، ويعتبر "عدواً للشرعية"، قد شاركوا في التمهيد للقاء، وإنجاح المؤتمر "الداعم للشرعية" (لا تذهبوا بعيداً.. ليس حزب النور طبعاً).

المنطق والعاطفة

لا أنكر أنني كثيرا ما انتابني نفس شعور صديقي الغاضب، وكررت: لن أصطف مع كل من شارك في 30 يونيو/حزيران أو من شارك في انقلاب 3 يوليو/تموز.
أما الآن، فأنا وأصدقائي، نفخر بمواقف الأستاذ عبد الرحمن، الوطنية، والقوية، والشجاعة، في وجه الانقلاب العسكري؛ رغم كونه داخل مصر، ويعمل في ظروف صعبه دفعت الكثيرين من أمثاله لإيثار الصمت والسلامة.

ولا نرى أي مكسب كان يمكن أن تتحقق لنا من إقصاء صوت مثل الأستاذ عبد الرحمن، أوتجاهله؛ فضلا عن عدائه، ومهاجمته. ويمكننا القياس على هذا، في حق كل الأفراد والكيانات التي اختلفت معنا، في العامين الماضيين، دون أن تتورط في سفك الدماء.

عبد الرحمن يوسف لم يصبح قيادياً في تحالف دعم الشرعية، ولا يجب أن يكون، ولكنه على ثغر آخر لا يجب أن يتركه حتى يرضينا. وكذلك؛ فلا يُعقل أن نتوقع من كل مختلف معنا، أنه إذا أراد الاصطفاف، أن يبايعنا على السمع والطاعة، في المنشط والمكره.

ولكن قوتنا جميعا، في أن يدعم كل منا الثورة من موقعه هو، لا من موقعنا نحن. ولا يجب عليه أن يترك كل أفكاره، وينسلخ من جلده، ويتبرأ من تاريخه؛ ليصبح نسخة منا في كل شيء.
ما ذكرني بهذه القصة، هو مقال "جريمة الاصطفاف" للأستاذ عبد الرحمن؛ فقد أصبح الذي يدعو للاصطفاف، عند بعضنا، وكأنه يدعوا إلى منكر من القول وزور، أو يرتكب جريمة تشبه جريمة من يدعو إلى "السلمية" عند بعضنا الآخر.

تحالف الثورة المضادة وتشرذم الثورة الحقيقية:

قد ورط الجنرال معه الكثيرين في جريمته. ومن تورطوا معه ليسوا مجرد أفراد؛ وإنما مؤسسات، وأحزاب، وطوائف دينية وسياسية، وأنظمة دولية وإقليمية. ينتظم كل هؤلاء في تحالف جهنمي عتيد، بدأ منذ اليوم الأول لسقوط مبارك، وبلغ أوجه بوصول مرسي إلى الرئاسة.

وقد مثلت لحظة "الانقلاب" على مرسي ذروة نجاح هذا التحالف؛ بينما مثلت نفس "اللحظة" قعر الفشل، والانهيار، والتشرذم، في تحالف الثورة الذي يتصدره الإخوان المسلمون. وكانت النتيجه أن وقف الرئيس مرسي، معزولا بين أبناء التيار الإسلامي، والذي كان معزولا هو الآخر بمكر الليل والنهار الذي استمر لسنه كامله، مع غفلة كاملة من جانبه.

ولا تقف عبقرية تحالف الثورة المضاده، عند قدرته على جمع كل أعداء الثورات العربية في فريق واحد فقط؛ ولكنه استطاع بدهاء وحسن تخطيط حشد "أبناء الثورة" أنفسهم في التمهيد لثورته المضاده. ثم انتقم منهم بعد ذلك.

هل تحالف الثورة المضادة في أضعف حالاته الآن؟!

دعنا نحسبها؛ فهناك مؤشرات قوة ومؤشرات ضعف. أما مؤشرات الضعف الواضحة فهي ثلاثة:-
الأول: هو أن هذا التحالف قد فقد قدرته على حشد الجماهير، وإقناعها، ولا أدل على ذلك من مقاطعة المصريين للانتخابات البرلمانية الأخيرة. أضف إلى ذلك تسارع الفشل الاقتصادي، والأمني في سيناء، مع الكوارث الأخيره التي حلت بمصر.
الثاني: هو تراجع السعودية (التكتيكي) عن دعم التحالف ماديًا ودبلوماسيًَا، وإن كانت ما تزال جزئًا مهمًا وأساسيًا فيه.
الثالث: هو فوز حزب الرئيس أردوغان بالانتخابات الأخيره في تركيا، وهو يمثل عدوا قويا وعنيدا لتحالف الثورات المضاده.

ورغم هذه المؤشرات؛ فإننا لا نستطيع أن نهمل حصول هذا التحالف، على نقاط قوة جديده، تتمثل في التالي:
دخول روسيا على خط المواجهة مباشرة وربما تبنيها لنظام السيسي على غرار بشار.
ظهور التأييد الغربي للانقلاب بصورة علنية سياسيا ودبلوماسيا. بما يعني أن الغرب قد بدأ يؤسس لعلاقات طويلة المدى مع النظام.
المؤسسات والكيانات التي ربطت مصيرها بمصير الجنرال في مصر، كونت "كتلة صلبة" مؤيده له؛ لم تكن تتوفر لنظام مبارك مثلا.
وأيا ما يكن من أمر، فإن خطورة تحالف الثورات المضادة لا تكمن في مدى قوته فقط، ولكن في حقيقة وجوده، واستمراره، حتى ولو كان في أضعف حالاته. وطالما ظل هذا التحالف قائما، بأي صورة من الصور، فإنه يمثل عقبة كبيرة في مسار الثورة. والأدهى والأمر أنه لا يوجد تحالف قوي يواجه هذا التحالف حتى اللحظة!

ما معنى هذا الكلام؟

معناه أن من يرد إسقاط الجنرال، عليه أولا خلخلة هذا التحالف الذي يلتف حوله بأي طريقة كانت، وإﻻ فإننا أمام بشار أسد أكبر، وأخطر بكثير.
ولا بد أن تبدأ هذه الخلخلة من الداخل، بمد الجسور وبناء التحالفات. بل لا أبالغ إذا قلت أنه يتحتم إرسال رسائل طمأنه للقطاعات التي ربطت مصيرها بمصير النظام، والتي تمثل الكتله الصلبة له كما ذكرت آنفا.
بغير تحالف شامل وواضح، لا يمكن أن يلتف الشعب حول القوى الطامحة لإزالة الإنقلاب. وقد أصبح من المعروف، من فقة الثورات بالضرورة؛ أنها لا بد أن تتمتع "بشبه إجماع سياسي" ضد للنظام. كما أنه من المعلوم، أن الثورة لا يمكن أن يقوم بها "حزب واحد" مهما كانت قوته ، وشعبيته، ( إلا أن يكون حزبا عسكريا مسلحاً). فاختاروا لأنفسكم. وللحديث بقية بمشيئة الرحمن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.