المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة نعمان Headshot

الوجه الآخر لمجال مساعدة الذات | وكيف نتعامل معها بشكل أفضل

تم النشر: تم التحديث:

مجال التنمية البشرية أو مساعدة الذات.. مجال يهدف إلى تنمية كل شخص منا لنفسه وقدراته، عبر توسيع وتعميق إدراكه لنفسه، وكذلك معرفته بقدراته الحقيقية كإنسان. هذا الوعي الجديد الذي يكونه الشخص عن نفسه وكل ما حوله، يسهم في تلبية حاجة الإنسان الذي يريد فهم (كل شيء)..

الذي يريد فهم الحياة التي يعيشها بشكل أفضل، ليستطيع أن يقدم أفضل ما لديه في رحلته هذه، أو على الأقل أن يحاول ذلك.

لكن مجالاً مثل مساعدة الذات، له أهداف قوية ومؤثرة مثل تلك، هل يمكن أن يكون له وجه آخر غير الذي يظهر به؟ ولماذا هناك من يهاجمه وينتقده بحدّة؟

توضيح مهم ومن البداية .. هذه المقالة ليست ضد مثل هذه الأهداف، وهي ليست للنقد بقدر ما هي توضيح لما يمكن أن يترتب على التعاطي بشكل خاطئ مع هذا المجال، ليستطيع كل واحد منا تجنب تحول حياته لكابوس نتيجة هذا التعاطي الخاطئ، للوقوف في منطقة محايدة بين المبالغة والنقد للخروج بأفضل ما يمكن.

لماذا ينتقدون مساعدة الذات؟!

بداية يجب أن يكون واضحاً أنني تكلمت عن منطقة محايدة بالنسبة لهذا الموضوع لأنه لا يمكن انتقاد هذا المجال ورفض كل ما يقدمه، بحيث يكون عكسه هو المطلوب! لا يزال الاعتماد على النفس، محاولة فهمها، ترتيب الأولويات وتحديد أهدافك بالحياة أمور مهمة لا يمكن القول بأنه لا يجب الاهتمام بها وأن ضدها هو المرغوب.

هو نقد إذاً.. وليس نقضاً!

لذلك النقد (بحسب رأيي) هو لأمر آخر غير أفكار ومنتجات هذا المجال، هو موجّه بشكل أكبر لطريقة طرح مثل هذه الأفكار بشكل سطحي ومبالغ فيه، ثم على طريقة تلقيها وتطبيقها من قبل الأشخاص، وأيضاً كيف يمكن لها أن تؤثر على حياة الأفراد بطريقة سلبية في حال استهلاكها وفهمها بالشكل الخطأ.

إذاً بالنسبة لمجال مساعدة الذات.. هناك ثلاثة نقاط سنتحدث عنها.. الطرح.. التلقي.. الأثر السلبي المحتمل.

إذا قمنا باختبار بسيط (كل واحد منا) في مقارنة الأشياء التي يحبها في نفسه، بالأشياء التي يرغب في تغييرها.. ماذا ستكون النسبة؟ وهل سنجد أصلاً بسهولة الأشياء التي نحبها في أنفسنا؟ هل نحن نقارن أنفسنا بمستويات خيالية أسطورية لا يمكننا أصلاً الوصول إليها؟ هل أصبحنا مهووسين بتحسين أنفسنا بشكل مستمر؟!

هذا هو الأثر السلبي الذي يمكن أن يظهر أثناء تعاملنا بشكل خاطئ مع بعض نصائح مساعدة الذات، فالدافع الذي يمتلكه كل واحد منا بأن يستمر في تحسين نفسه والبحث الدائم لتطوير ما نتقن فعله أصلاً، هو أحد أجمل الدوافع الإنسانية التي نمتلكها.. لكن الموضوع يمكن أن يتحول إلى هوس، أو أن يُساء فهمه بطريقة لا تتناسب مع طبيعتنا كبشر، أن يفوق طاقاتنا، فيصبح هوساً يحبطنا ويدمرنا باستمرار.

في اللحظة التي تقبل فيها حقيقة أنك لست مثالياً، عندها تبدأ في بناء بعض الثقة - Rosalynn Carter


عندما يتطور عندك هذا الهوس، وتستمر في الاعتقاد بأن هناك خطب ما فيك! تتغير هذه الدوافع الرائعة لدى كل واحد منا وتحوّل رحلته إلى كابوس حقيقي.. بدلاً من أن تكون رحلة حقيقية تخوضها برغبة تغمرك كلك بالحياة وفضول لمعرفة وفهم المزيد.. وهذا (برأيي الشخصي) يحتاج منا التعامل مع هذه المجالات بطريقة مختلفة قليلاً.

طريقة تسمح لكل واحد منا لفهم جوهر المعاني المعروضة واستيعابها بشكل يتناسب مع ظروف حياة كل واحد منا.. فعندما تتحدث أدبيات مساعدة الذات عن حلول للمشاكل التي نواجهها في حياتنا.. يجب أن نعي أنه لا يوجد هناك حل لمثل تلك المشاكل يتكون من 4 أو 5 خطوات فقط يمكن تطبيقها على الجميع!

يجب أن أوضح هنا مرة أخرى أنني لست ضد مثل هذه الكتب.. شخصياً قرأت منها ولا أنوي التوقف بالكلية عنها.. لكن هدفي هنا هو ألا نتوقف عند مثل هذه العناوين، بل إن نأخذ الجوهر المراد توصيله من مثل هذه المنتجات، ثم وضع اللمسات الخاصة بكل واحد منا.

حياة كل واحد منا متعددة الأوجه وضبابية في كثير من الأحيان، ومختلفة عن الآخر بشكل كبير، وإن كانت هذه الكتب تحمل مثل هذه العناوين، فلا يجب اعتمادها بشكل نهائي، بحيث إن لم تنفع معنا، نشعر بالإحباط واليأس!

بل نحاول فهم السبب إن لم تنفع معنا أحد هذه الطرق، وندرك أنه لابد من وجود طريقة أخرى خاصة بكل واحد منا يستطيع تطبيقها في حياته الواقعية، تركيبة معقدة يفهمها هو/هي وحدها.. لا وجود لحلول بسيطة هنا. لا بد من الوصول إلى الاستنتاجات بأنفسنا.

فكّر/ فكّري بهذه المقولة قليلاً:

''إن نظم التفكير الجامدة أو ''الشفرات المقيدة'' هي أقوى طرق إغلاق الإمكانات الجديدة للتفكير والوعي بالذات'' -من كتاب جورج أورويل (1984)


ليكن أفضل ما فيك، هو أفضل ما في وسعك القيام به الآن، وليس شيئا ما (لا يمكن تحقيقه أصلاً) لكن تتمنى الوصول إليه لتكن ''أفضل ما يمكن''.. لتسعى لتحسين وتطوير نفسك باستمرار طبعاً! لكن برضا وتصالح مع نفسك في كل خطوة، بأنك بالفعل تقدم أفضل ما فيك في كل خطوة تخطوها.

ليكن التغيير للأفضل خياراً أنت تختاره، لا شيئاً مفروضاً يجب عليك القيام به!

أخيراً أحببت عرض بعض الأمثلة لما يتم نقده في مجال مساعدة الذات.. لتوسيع الصورة عن الموضوع وفهمها بطريقة أفضل تجمع بين الوجهتين أكثر وتخرج بشيء مفيد.. كان أحد هذه الأمثلة في منشور قرأته على الفيسبوك، أما الباقي فهي من كتاب (ثرثة نفسية أو psychobabble) للكاتب Dr. Stephen Briers.

الاعتماد على النفس

بعض المفاهيم التي يمكن إساءة فهمها بسهولة هي الاعتماد على النفس، وهو بالطبع شيء مرغوب والجميع يتفق على أهميته! لكن الانتقاد يبدأ عندما يتعدى هذا الاعتماد حدود الطاقات البشرية، ليصبح شيئا غريباً أحياناً لا يمكن أن يتناسب مع إنسان (كائن بشري اجتماعي).. عندما تجعل هذه الفكرة الإنسان في حساسية من مشاركة همومه مع الآخرين.. كأنها مرض.. فهناك خطب ما!

فأن يعتمد الإنسان على نفسه، لا يمنع من أن يحتاج إلى حضن شخص عزيز يشاركه همومه ليخفف عنه في الواقع.. أجل! أن تكون قوياً ومعتمداً على نفسك في حياتك، لا يمنع من هذا، هناك منطقة وسط.. حاول البقاء فيها.. وعلى فكرة! الحفاظ على هذه المنطقة الوسط أصعب -حسب رأيي- بكثير من المبالغة بأي من الأطراف الأخرى.

تحديد الأهداف

أصبح الآن شيئاً أساسياً أن يضع كل واحد منا أهدافاً محددة في أي مجال تقريباً.. كيفما كانت محددة، لا بد من وجودها لمعرفة الطريق الذي تريد سلوكه في هذا المجال.. كي لا تتشتت.. لكن هناك نقطة في غاية الأهمية لا يتم التطرق لها في كثير من الأحيان.

هناك نقطتان أرى أنهما مهمتان جداً بالنسبة لهذا الموضوع.. الأولى بأن نتأكد من أن هذه الأهداف التي نضعها لأنفسنا، هي أهداف صحيحة أصلاً! أنها بالفعل ما نريد!.. والنقطة الثانية هي أن تكون هذه أهداف واقعية نستطيع تحقيقها في الوضع الذي نتواجد فيه حالياً، ثم نبني عليها أهدافاً أكبر.

فنصيحة (الوصول إلى أقصى ما نستطيع الوصول إليه) هي في الواقع نصيحة رائعة جداً، لكنها قد تكون نصيحة سيئة ما لم نكن ناجحين أصلاً! هذه النصيحة تعتبر محفزاً قوياً لمن يتمتعون بالفعل بدعم ناتج من نجاحات سابقة حققوها مؤخراً.. أما من لم يأخذ الموضوع بتأنٍ، ويبني أهدافه تدريجيا بحسب إمكاناته الموجودة فعلاً، فهذه النصيحة قد تحبطه وتحطم معنوياته عند وصوله إلى نقطة الانهيار.

لذلك، ربما كان على معظمنا وضع أهداف أضيق نطاقاً، ثم البناء على ما حققوه منها. Stephen Briers

ليس هناك فشل

في بعض الأحيان، تشكل بعض كتب مساعدة الذات أو أخرى بنفس التوجه ضغطاً متزايداً على الشخص، في عرضها لقواعد غير واقعية أحياناً تجعل من أي شيء يخالفها كما لو أنه مرض يجب علاجه بأسرع وقت ممكن، على الرغم من أنه شيء طبيعي من روتين أيامنا العادية.. ما ينتج عنه صعوبة الاسترخاء والرضا بأن الأحوال جيدة بصورتها الحالية، وإن لم تكن رائعة للغاية، إلا أنه يمكن تقبلها أحياناً دون الاستمرار في محاولة تغييرها.

من هذه الأمور التي تعرض هو الفشل، بحيث يتعاطى البعض منا مع مقولة (ليس هناك فشل) لتقف عائقاً أمام تقبّل الفشل بشكل يخرج منه بدروس تساعد في إعادة صياغة كثير من الأشياء، بأنه لا يجب عليك الشعور بأن عليك تبريره، أو أن تنكره.. وإنما تترك نفسك لتسكن هذا الفشل، لتشعر بلدغته.. لأنه لن يساعدك على التغيير والنمو، ما لم تعترف به وتذعن له.

الفشل في حد ذاته مفيد وضروري.. ليس باعتباره نقطة انطلاق إلى النجاح، لا، إنه ضروري ليبين لنا حقيقتنا والخصائص التي لا نتميز بها. هذا الاعتراف ضروري، لأنه يمنحنا الحرية من المبالغة التي تنسينا في كثير من الأحيان أن نُقدّر ما نفعله، والاستمتاع بالأشياء البسيطة حولنا.. أن تستمتع بسلام حقيقي داخلي متصالح مع أي شيء تمر به في حياتك.

الفشل ليس السقوط، بل البقاء في الهاوية - Mary pickford



هناك الكثير من النقاط التي يمكن أن أتحدث عنها عما تقدمه أدبيات مساعدة الذات، لكن ليس هدفي هنا هو ابرازها كلها والتحدث عنها واحدة تلو الأخرى.. هدف المقالة هو فقط توضيح فكرة التعامل مع ما نتلقاه من معلومات بشكل أفضل يتجانس مع واقعنا بطريقتنا الخاصة.. بأن تكون هذه الرحلة ممتعة ومثيرة، ليست حملاً ثقيلاً نحمله أينما ذهبنا.

المشكلة هنا أنها طبيعة بشرية خالصة، أن نحوّل الفكرة الجذابة القائمة على أننا نستطيع أن نكون أفضل إلى قناعة مزعجة قائمة على أننا ينبغي أن نكون أفضل - Dr. Stephen Briers


لذلك، ومرة أخرى.. ليكن التغيير للأفضل خياراً أنت تختاره، لا شيئا مفروضا يجب عليك القيام به.. لتستمع أكثر بالرحلة!

المقالة الأصلية ومقالات أخرى مشابهة، يمكنك إيجادها على
TrueEnsan.com